إيان ماك إيوان و«الكفارة»: سلطة السرد وندم الذاكرة
في بيت ريفي إنكليزي خلال صيف ثقيل من عام 1935، تتشكّل لحظة ستغيّر مصائر ثلاث شخصيات إلى الأبد. هكذا تخيّل إيان ماك إيوان نقطة الانطلاق لروايته «الكفارة». غير أنّ الحكاية، في شهاداته المتعددة، لم تبدأ من المشهد نفسه، وإنما من سؤال أعمق ظل يطارده سنوات: ما الذي يحدث حين تملك المخيّلة قدرة على إعادة ترتيب الواقع؟ وما الثمن الذي يدفعه الآخرون حين تتحول الكتابة إلى سلطة تسمّي وتفسّر وتدين؟
ماك إيوان تحدّث عن افتتانه القديم بفكرة الطفل الكاتب، الطفل الذي يراقب العالم بعين حادة، ثم يعيد صياغته وفق منطقه الخاص. من هذا الافتتان خرجت شخصية بريوني تاليس، الطفلة التي تكتب مسرحية، ثم تقرأ مشهداً بين شقيقتها الكبرى وصديق العائلة قراءة قاطعة، وتمنح تأويلها صفة الحقيقة. هنا تتقاطع البراءة مع السلطة، ويتحوّل سوء الفهم إلى حدث قانوني واجتماعي مدمر. ماك إيوان لم يكن معنياً برسم طفلة شريرة أو ساذجة، إنّما بامتحان لحظة يتضخم فيها الخيال ويتحوّل إلى فعل.
في مقابلاته، أشار إلى أن الرواية انشغلت بمسؤولية الكاتب تجاه شخصياته، وبالمسافة بين الوقائع كما حدثت وبين الوقائع كما تُروى. هذا الانشغال لم يكن نظرياً. ماك إيوان قضى وقتاً طويلاً في دراسة تفاصيل إنكلترا ما بين الحربين، وفي إعادة بناء البيئة الطبقية والثقافية التي تسمح لحكم طفلة أن يجد صدىً سريعاً في مجتمع يثق بالبنية الاجتماعية أكثر مما يثق بالشك. البيت الريفي في الرواية يحمل وظيفة تتجاوز المكان؛ إنه مسرح تتجاور فيه الرغبات المكبوتة مع النظام الصارم، وتتولّد فيه الأحكام بسرعة لافتة.
التحول الأكبر في «الكفارة» يظهر مع انتقال السرد إلى زمن الحرب. هنا يتسع العالم فجأة، وتخرج الشخصيات من الحديقة والصالون إلى حقول فرنسا والانسحاب العسكري والفوضى الجماعية. ماك إيوان تحدّث عن بحث مكثف في تفاصيل الحياة العسكرية والطبية خلال الحرب العالمية الثانية، وعن اهتمامه باليومي الهش: الضمادات، القلق، الجوع، التعب. هذا البحث لم يكن استعراضاً تاريخياً، وإنما محاولة لربط الخطأ الأول بعالم أكبر، عالم يضاعف أثر القرار الفردي حين يندمج في آلة تاريخية جارفة.
شخصية روبي تيرنر، الذي يسحقه الحكم الخاطئ، تتحرك في الرواية بوصفها محوراً أخلاقياً صامتاً. مساره عبر الحرب يكشف كيف يمكن لتأويل خاطئ في لحظة خاصة أن يفتح سلسلة من الانكسارات العامة. في المقابل، تعيش بريوني مساراً موازياً، تسعى فيه إلى ملامسة معنى الكفارة عبر الخدمة والعمل والكتابة. غير أن الكتابة هنا لا تُقدَّم كطريق خلاص سهل؛ إنها أداة مزدوجة، قادرة على الخلق والهدم في آن واحد.
أحد أكثر عناصر الرواية إثارة للنقاش هو بنيتها النهائية. ماك إيوان اختار أن يكشف في الصفحات الأخيرة أن النص الذي قرأناه يحمل طبقة إضافية: بريوني الكاتبة العجوز تعيد صياغة الأحداث، وتمنح العاشقين مصيراً تخييلياً لم يتحقق في الواقع. هذا القرار السردي يضع القارئ أمام مرآة أخلاقية دقيقة. هل يمنح الفن عزاءً؟ هل يملك الكاتب حق تعديل التاريخ كي يخفف وطأة الذنب؟ هنا تتحول الرواية إلى محاكمة هادئة للكتابة نفسها.
ماك إيوان أوضح في أكثر من حوار أن «الكفارة» كانت من أكثر أعماله تعقيداً في البناء، لأنها تتعامل مع الزمن بوصفه طبقات متراكبة، ومع السرد بوصفه فعلاً قابلاً لإعادة النظر. بريوني تكتب نسخاً متعددة من قصتها عبر حياتها، وكل نسخة تحمل درجة مختلفة من القسوة أو الرحمة. هذه الفكرة تمنح النص توتراً دائماً بين الحقيقة والتخييل، وتجعل القارئ مشاركاً في مساءلة الثقة بالسرد.
اللغة في «الكفارة» تحمل عناية خاصة بالإيقاع والدقة. الجمل في الجزء الأول تعكس عالم الطبقة الوسطى العليا، بأناقته وانضباطه، بينما يتبدل الإيقاع في زمن الحرب ليصبح أكثر توتراً وتشظياً. هذا التحول الأسلوبي يعكس رؤية ماك إيوان للغة ككائن حي يتغير مع تغير السياق. كل مرحلة زمنية تفرض نبرتها الخاصة، وتكشف طبقة مختلفة من الوعي.
في شهاداته، تحدث ماك إيوان أيضاً عن قلقه من استقبال الرواية، وعن إدراكه أن موضوعها يلامس منطقة حساسة تخص الكتّاب أنفسهم. الرواية تطرح سؤالاً داخلياً: إلى أي مدى يحق للكاتب أن يستثمر معاناة الآخرين في نص فني؟ هذا السؤال ظل يتردد في قراءات النقاد الذين رأوا في «الكفارة» عملاً يشتبك مع أخلاقيات السرد، ومع العلاقة بين الذاكرة والخيال.
العمل حظي باهتمام نقدي واسع منذ صدوره عام 2001، ووصل إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر، ثم اكتسب حضوراً جماهيرياً إضافياً بعد تحويله إلى فيلم سينمائي. غير أن قوة الرواية تبقى في بنيتها النصية، في قدرتها على تحويل خطأ طفولي إلى شبكة من المصائر، وعلى جعل الكتابة نفسها موضوعاً للفحص.
إيان ماك إيوان، المولود عام 1948، يُعد من أبرز الأصوات في الرواية البريطانية المعاصرة. عُرف بانشغاله بأسئلة الأخلاق والوعي والصدع بين الخاص والعام، وصدرت له أعمال بارزة مثل «أمستردام» الحائزة على جائزة بوكر، و«السبت»، و«على شاطئ تشيسل». في «الكفارة» قدّم عملاً يجمع بين الدقة التاريخية والتأمل الفلسفي، ويضع المخيّلة تحت مجهر المسؤولية.
المصدر:
شهادات إيان ماك إيوان في مقابلاته الصحافية مع The Guardian، وتصريحاته عبر موقع Penguin UK حول شخصية بريوني وبنية الرواية، إضافة إلى حوارات نقدية منشورة في دوريات أدبية تناولت مسألة المسؤولية الأخلاقية في «الكفارة».
0 تعليقات