في إحدى جلساته بجامعة فرجينيا، عاد ويليام فوكنر إلى الشرارة الأولى التي أطلقت «الصخب والعنف» بكلمات شديدة المباشرة: “صورة” لطفلة تصعد شجرة كي ترى ما يجري في الغرفة التي يُقام فيها عزاء الجدة، بينما يراقبها إخوتها من الأسفل، وتظهر آثار الطين على ملابسها. من هذه اللقطة الصغيرة، كما قال، بدأ كل شيء، ثم أخذ العمل يتسع مع الكتابة ويتشكل تدريجياً.

هذه البداية تحمل مفارقة لافتة: رواية تُعد من أكثر نصوص القرن العشرين تعقيداً خرجت من مشهد بصري واحد، من حركة جسد طفلة فوق شجرة. قوّة هذه الصورة أنها تقترح منذ اللحظة الأولى محوراً خفياً يدور حوله الكتاب كله: كادي كومبسون، الحاضرة في مركز الحدث، الغائبة عن الصوت السردي المباشر، تُرى دائماً عبر عيون الآخرين. فوكنر بقي يلاحق هذه “الكادي” عبر أصوات الإخوة، كأن الرواية تكتب أثرها فيهم أكثر مما تكتبها هي.

في حوار «فنّ القصة» في باريس ريفيو، يوضح فوكنر أن الكتاب مرّ بمخاض صعب، وأنه حاول مراراً أن يروي الحكاية حتى يتخلص من “الحلم” الذي يطارده، وأن التجربة استهلكت منه جهداً عاطفياً وفنياً عالياً. هناك يتحدث أيضاً عن أن الرواية كُتبت في أكثر من محاولة، وأن شكلها النهائي جاء نتيجة بحث عن الصيغة القادرة على حمل ما يريده من داخل الشخصيات.

من هنا يمكن فهم بنية «الصخب والعنف» على أنها استجابة مباشرة لمشكلة فنية: كيف تُروى سيرة عائلة تتداعى من الداخل، حين يكون مركز العاطفة فيها امرأة لا تريد الرواية أن تمنحها منصة اعتراف تقليدية؟ فوكنر اختار طريقاً أشد قسوة على القارئ: أربعة أقسام، ثلاثة منها أصوات داخلية لأبناء كومبسون، والقسم الأخير راوٍ خارجي يقترب من شخصية ديلسي، الخادمة السوداء التي تتحول في صفحات النهاية إلى مرساة أخلاقية وسط الانهيار.

القسم الأول، صوت بنجي، يضع القارئ في حالة ارتباك مقصودة. الزمن لا يتحرك على سكة واضحة، بل يقفز مع الإحساس والرائحة والصوت. هذا الخيار لا يتعلق بالاستعراض التقني؛ هو محاولة للاقتراب من وعي لا يملك أدوات ترتيب العالم كما يفعل الآخرون. في محاضرات جامعة فرجينيا، يمكن التقاط الطريقة التي كان فوكنر يفكر بها في أصل الصورة: طفلة على شجرة، إخوة أسفلها، جنازة في الداخل. الحكاية تبدأ من نظرة “خارج النافذة”، من رغبة في رؤية ما لا يُرى، ثم تتكاثر طبقاتها كأن النص كله امتداد لهذا الفعل الأول.

القسم الثاني، صوت كوينتن، يحمل توتراً مختلفاً: انضباط لغوي على السطح يقابله انهيار داخلي. هنا الزمن يضغط على الوعي، والذاكرة تتحول إلى محكمة لا تهدأ. فوكنر لا يقدم انتحار كوينتن كخبر، وإنما كمنسوب قلق يتصاعد عبر اليوم كله. هذا القسم يفتح سؤال الشرف والعار في الجنوب الأميركي، ويحوّل العلاقة مع كادي إلى عقدة وجودية، حيث تتحول الأخت إلى معيار أخلاقي مستحيل.
القسم الثالث، صوت جايسن، ينقلنا إلى نبرة حادة، عملية، مشبعة بالمرارة. في هذه المساحة تتجسد التحولات الاقتصادية والاجتماعية: سقوط العائلة، بيع الأرض، الجشع، العنف اليومي. جايسن يرى العالم كسلسلة خسارات وديون، ويحوّل كادي وابنتها إلى سبب ثابت لكل ما يكرهه في حياته. التوتر هنا ليس نفسياً فقط؛ إنه توتر مجتمع يشيخ ويقاوم انهياره بمزيد من القسوة.

أما القسم الرابع، الراوي الخارجي، فيعيد ترتيب المشهد من مسافة أوسع. التركيز يقترب من ديلسي، التي تحتفظ بما تبقى من انتظام الحياة: الطقوس، العناية، الإيمان، القدرة على الاستمرار. هذا الانتقال يمنح الرواية توازناً دقيقاً: بعد ثلاثة أصوات تستنزف القارئ في الداخل، يأتي صوت يلتقط ما يحدث في الخارج، ويمنح الخراب إطاراً اجتماعياً وروحياً.

فوكنر قال في جلسة أخرى بجامعة فرجينيا إنه “تألم وعانى” مع هذا الكتاب أكثر من أي عمل آخر، وأن علاقته به ظلّت شديدة الخصوصية. هذه العبارة تضيء جانباً مهماً من حكاية الرواية: لم تكن مشروعاً سهلاً أو طريقاً ممهداً نحو الشهرة، بل تجربة كتابة شديدة الكلفة على الكاتب.

ومن المدهش أن كل هذا البناء خرج من رغبة في الإمساك بكادي دون أن تُمنح صوتاً مباشراً. الصمت هنا ليس فراغاً؛ إنه مركز جاذبية. كادي تتحول إلى “مفتاح” لكل صوت: بنجي يتشبث بحضورها كحنان أول، كوينتن ينهار تحت ثقلها الرمزي، جايسن يحولها إلى شماعة غضبه، والراوي الخارجي يتركها كندبة تتحرك في البيت حتى بعد خروجها منه. هذه الاستراتيجية تجعل الرواية دراسة في أثر الغياب، وفي الطريقة التي يحكم بها شخص واحد، عبر حضوره الغائب، مصائر الآخرين.

في هذا كله يتضح معنى العنوان المقتبس من شكسبير: “الصخب” و“العنف” كمناخ، كضجيج داخلي يملأ الوعي، وكطاقة تهدم العائلة من الداخل. العنوان يلتقي مع بنية الأصوات المتكسرة: حكاية تُروى من داخل اضطرابها، لا من خارجه.

ويليام فوكنر (1897–1962) روائي أميركي ارتبط اسمه بعالم “يوكناباتوفا” المتخيّل الذي صنع فيه تاريخ الجنوب الأميركي بأبعاده العائلية والعرقية والاقتصادية. نال جائزة نوبل للآداب عام 1949، واشتهر بتجارب سردية جذرية في الزمن والوعي وتعدد الأصوات، وتبقى «الصخب والعنف» محطة مركزية في مشروعه.

المصدر:
شهادات فوكنر عن نشأة «الصخب والعنف» في تسجيلات ومحاضر “فوكنر في فرجينيا” بجامعة فرجينيا، حيث يصف صورة الطفلة على الشجرة بوصفها نقطة البداية.
حوار «فنّ القصة» مع فوكنر في The Paris Review الذي يتناول رؤيته للكتابة وصعوبة إنجاز أعماله الأساسية.
تسجيل آخر من “فوكنر في فرجينيا” حول علاقته الخاصة بهذا الكتاب وما تكبده أثناء كتابته.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم