"شموس ونوافذ" لعيد الناصر.. التداعي قناة للمشاركة بين القارئ والشخصية
صدرت رواية شموس ونوافذ" لعيد الناصر عن دار ريادة عام 2022، تقع في 239 صفحة، تتحدث عن سيرة رجل دخل المستشفى بعد إصابته بوباء كورونا، ولا شك أن هذا العمل يسجل للروائي لتناوله حدث مر على الإنسانية جمعاء، وكان له أثر بارز في تغيير بعض المفاهيم والأنماط الحياتية.
تحدث الكاتب في مقدمة الرواية التي غلبت عليها الواقعية والسرد المباشر قائلاً: بأن هذه الرواية ما هي إلا نتاج معايشة حقيقية وأنها تصور اللحظة المباشرة لتلك المعاناة (ص 5، 6)، وبهذا فالكاتب مدرك تماماً بأنه يقدم نصاً مباشراً، وأظن أن المباشرة في مثل هذه الأعمال تقدم جانباً صادقاً من المعاناة دون استجداء عاطفي أو توسل إضافات ليصل بها الكاتب للمتلقي.
حاول الروائي من خلال السرد المباشر أن يقدم صورة أكثر صدقاً وواقعية ليعبر من خلالها عن معايشته وكذلك معايشتنا اليومية نحن أيضاً كقراء، وذلك من خلال ما نقله عن تلقيه لمكالمة هاتفية عشوائية تجاهلها (ص 7) كما نتجاهل نحن بعض المكالمات التي تردنا بين وقت وآخر سواء لتقديم عرض تسويقي أو لعملية نصب محتملة أو كمكالمة خاطئة بريئة.
"شموس ونوافذ" عنوان يبدوا مباشراً للوهلة الأولى وسيجد القارئ أنه وجد الشمس والنوافذ قد برزت على لسان الشخصية في النص، سواء من خلال حديثه عن المكان الذي يتواجد فيه في المستشفى أو من خلال اللوحات التشكيلية التي شاهدها هناك وقد تكررت مشاهدته إلى لوحتين حيث استشعر الأمل في اللوحة الثانية (ص 201، 202).
ورغم أن هذا العنوان مباشر إلا أن له دلالات ورموز في التعبير عن الأمل والحياة الجديدة واليوم المتجدد والمستقبل الذي لا بد أن نعيشه كما هو، خصوصاً في حالة شخص وصل لمرحلة العناية المركزة، بسبب وباء حصد أرواح آخرين حول العالم.
ويبدوا أن الغلاف جاء ليعكس هذه الحقيقة من خلال لوحة تجريدية نرى من خلالها شمس ما بعد الظهيرة وشخص جالس على دكة، وهذه في الحقيقة تحاكي حركة الزمن على كل ثابت وغير متحرك حيث يمر الزمن على بعض الأشخاص دون أن نجد منهم أي حركة أو نلمس منهم أي تغير في الحياة، حتى أن حياتهم تكاد تكون جامدة، كل يوم في نفس المكان بنفس الملابس مع نفس الأشخاص ونفس الأشكال، كقالب ثابت ينبأ عن غباوة المصنع، لا يقبل التبدل والتغير.
ولا ريب أن هذه اللوحة التي جاءت على الغلاف قد جسدت حياة الشخصية القابعة في المستشفى في مكان معزول عن العالم، إلا من خلال جهاز الهاتف ورسائل الوتساب التي أصبحت تعبر عن وجود الشخصية وأنه لا يزال حياً، بينما تمر عليه الساعات والأيام والأسابيع وهو قابع فوق ذلك السرير متقيداً بما فرض عليه من تعليمات صارمة.
تعرضت الرواية لموضوعات مختلفة وبشكل مباشر ودون مواربة، فيتلقى الشخصية مكالمة هاتفية من صديق الطفولة بعد قطيعة طويلة، وهذه حقيقة نعيشها بعد أن تفرقنا الأعمال اليومية والانشغالات الحياتية الاعتيادية وغير الاعتيادية عن لقاء كثير من أصدقائنا وجيراننا وأقربائنا وكذلك أحبابنا (ص 9)، وبهذا فالرواية تستعرض التمظهرات الإنسانية من خلال حياة الشخصية وتأثيرها وتأثرها بكل ما دار ويدور حولها، وما قرأته وما شاهدته من روايات وأفلام ومسلسلات ومسرحيات وأغاني وأشعار وأمثال وحكم سواء كانت مكتوبة أم منطوقة أم مغناة.
ناقش الكاتب في النص مجموعة من الأمور والقضايا من بينها معضلة تعدد الرواة للحدث الواحد، وتعدد الأقوال واختلاف التفاصيل فالحادثة مهما كانت فالأقوال حولها تتعدد بتعدد الأشخاص الذين شهدوا الحادثة، ذلك أن الصورة الذهنية واللحظة العاطفية والوجدانية لكل شخص تختلف عن الآخر، يقول إن القابلة (ص 15) "سوف تحتج وتعتبر حكايتها هي الأدق والأصح لأن الأم كانت تعاني من غياب الوعي وسكرات الألآم".
تناول النص أيضاً مشكلة المستندات التي أصبحت اليوم تشكل وثائق هامة عن فترة سابقة بشخوصها وأحداثها، وذلك من خلال تعرض النص لحادثة التخلص من الملفات القديمة من قبل إدارة المدرسة التي درس فيها الشخصية، وذلك برمي الملفات في حاوية النفايات دون أن يتم اتلافها قبل ذلك (ص 57).
أشار النص كذلك إلى أن النت يشكل وجهة أكيدة للبحث عن الحقائق، لكنه يشير من جانب آخر إلى أن الدجل والكذب والتزوير ورد بشكل كبير على شبكة الانترنت، معتبراً أنها ساهمت في ضياع الحقيقة بشكل نسبي، يقول: "لأنهم جيل كثير الشك وتعود البحث عما يسمع (بعد أن كثر الكذب والتزوير) عن التفاصيل في شبكة النت اللعينة" (ص 81).
التراث كان حاضراً بشكل كبير في النص سواء من خلال كلمات بسيطة أو من خلال كلمات وضعها كإشارات لفلكلور معين كان سائداً في الماضي ومن بين ما ذكره (ص 84): "قالت أمه ويه ويه قال أبوه صلوات عليه" هذه كانت جزء يسير من فلكلور يتغنى به الكبار ويردده الصغار كجانب للتسلية يقول الفلكلور: (بسم الله الرحمن الرحيم، طاح الفار في الطحين، سموه عبد الرحيم، قالت أمه ويه ويه، قال أبوه ما عليه، أو صلوات عليه، علقوه فوق السلاسل والذهب والنورة، وعضته السنورة). وكانت هذه الكلمات تحمل روح المداعبة للأطفال الصغار حيث يعمد الكبار لدغدغتهم مع نهاية الكلمات،
استشهد النص كذلك بمقولات من التراث طالما قيلت مثل:"ليس هناك أصعب من خروج الحي من الحي" (ص 85)، وكذلك المثل المشهور: "ضرطة في سوق الصفافير ضايعة" (ص 181).
ناقش النص أيضاً كيف يكون الإنسان أسيراً لخوفه: "الخوف يا وليد هو أخطر شيء في الحياة، الخوف من المجهول، الخوف من الغد، الخوف من الموت، الخوف مما بعد الموت يجعل الإنسان أسيراً وخاضعاً للطبيب والمشعوذ والمدرس.. الخوف هو ألعن شيء عرفه الإنسان طوال تاريخه" (ص ٣٠).
اللغة في النص
كُتب النص باللغة العربية الفصيحة لكنه أشتمل على ألفاظ من اللهجة المحلية الدارجة، كما أشتمل أيضاً على ألفاظ وكلمات إنجليزية مختلفة، ويبدوا من النص أن الكاتب حاول التوفيق بين المفردات سواء كانت باللهجة المحلية الدارجة أو باللغة الإنجليزية استناداً للموقف ووفقاً للشخصية التي تقف مقابل الشخصية الرئيسية والتعبير الذي يفترض به أن يصدر عنها.
ولقد أمعن الكاتب في استخدام كلمات رائجة محلياً وإن كانت عربية مثل كلمة (منام) و(مواعين) (ص 14)، فكلمة (منام) بمعنى ما يتم النوم عليه كالسرير ونحوه، وكلمة (مواعين) تعني الآنية أو الأواني المنزلية كالقدور والصحون وغيرها.
كما أورد الكاتب أيضا كلمات أخرى رائجة محلياً مثل كلمة (قناع) (ص 16) ورغم أن الذي شاع في ذلك الوقت كلمة (كمام) وليس (قناع)، إلا أن الراوي استخدم كلمة (قناع) استجابة لما ذهب إليه كبار السن، أو لعلها من جانب آخر ترجمة حرفية لكلمة (Mask) المكتوبة على علبة الكمامات (Face Mask) فالقناع غالباً هو ما يستر ويغطي، وهي كلمة في اللهجة المحلية الدارجة يتم تداولها على كل ما يستر ويغطي مثل العباءة وما يغطي وجه المرأة به.
لكننا وجدنا أيضاً أن الكاتب ذكر كلمة (كمامة) (ص 112) ولم يقل (قناع)، ولم تكن هذه هي المزاوجة الوحيدة في النص بين مترادفين، فقد ظهرت كلمات انجليزية مكتوبة بالعربية حيناً وحيناً باللغة الإنجليزية وفي أحيان أخرى نجد المزاوجة بين العربية والانجليزية في الجملة الواحدة.
ومن الكلمات المحلية الدراجة التي وردت في النص كلمة (فضيل) أي ما يتبقى من الشيء المأكول فالمتبقي من الرز بعد الأكل يقال له (فضيل) وهي كلمة عربية لكنها شائعة الاستخدام في اللهجة المحلية الدارجة وكذلك كلمة (الصفرية) التي تعني القدر الصغير، وهي مأخوذة من الصفر أي النحاس الذي كان المادة الأساسية لصناعة القدور سابقاً، ورغم ذلك وجدنا أنه ذكر القدر صراحة باللغة العربية الفصيحة (ص 138)، كما ذكر كلمة (نشاف) (ص 45) وهي كلمة عامية، لكنه ذكرها صراحة باللغة العربية الفصيحة عندما قال (مناديل الورق) (ص 142) لتعريف كلمة نشاف، ولست أفهم لماذا يجعل بعض الكلمات منصصة بين قوسين ويهمل أخرى، سواء كانت تلك الكلمات عامية أو فصيحة، لكنه لا يفعل ذلك مع الكلمات الإنجليزية سواء كتبت بحروف عربية أو بحروف انجليزية.
(رهيب) جاءت في النص أيضاً وهي كلمة متحورة عن معناها الأصلي الذي أزيحت عنه، وإلى جانب هذه الكلمة جاءت كلمة (ملالة) وهي كلمة محلية صرفة وقد شرح الكاتب جانباً منها وكذلك كلمة (السيبة)، وكلمة (طاقية) إلى جانب كلمة (خم) بمعنى فسد أو أصابه العفن.
وإلى جانب هذه المفردات أورد الراوي مفردات محلية كثيرة من بينها أيضا: (هذي، جزمة، شرق، رشاش الماء، نسوان، ازوع، استكانة، يمخمخ) وغيرها.
وقد جاءت هذه الكلمات استجابة فعلية وصادقة لحديث الشخصيات التي طغى عليها اللهجة العامية الدارجة ممزوجة بالعربية الفصيحة وكلمات انجليزية جاءت بحسب متطلبات النص وزمانه ومكانه وشخصياته.
وبهذا تجاورت الكلمات العامية الدارجة محلياً، بالكلمات العربية الفصيحة، جنباً إلى جنب بالكلمات الإنجليزية في السرد والحوارات، وبهذا قدم الكاتب لغة وسيطة بيضاء نسبيا في عالمنا المعاصر حيث تتداخل المفردات العربية بالإنجليزية بالمفردات المحلية الدارجة بخصوصيتها الفئوية والمناطقية.
وهذا يعبر في الحقيقة عن انتقال أجيال في المجتمع عموماً من اللهجة المحلية الدارجة إلى لهجة أكثر تداولاً في المملكة والتي أخذت نسقاً خاصاً اختلطت فيه كلمات دارجة مقبولة ومفهومة من مختلف مناطق المملكة وأصبحت تمثل لهجة شائعة يفهمها غالبية الناس.
ولا شك أن المسلسلات التي قدمت اللهجة الخليجية وتلك التي قدمت اللهجة الحجازية والتي قدمت اللهجة النجدية قد ساهمت كلها مساهمة كبيرة وفعالة في إيجاد لهجة وسيطة تلتقي فيها كلمات مختلفة بين كل هذه اللهجات، وأفرزت لنا نموذجاً للهجة متداخلة أكثر فهماً عند مختلف أطياف المجتمع السعودي، وإن بقيت خاصية نطق الكلمات كما هي عند كل منطقة ومجتمع.
ولقد زاوج الكاتب بين العربية والانجليزية في الجملة والعبارة الواحدة فكتبها حيناً بحروف عربية وحيناً بحروف انجليزية مثل: "صباح الخير.. سير" (ص 92) و (هاي سير) (هاي سيستر) (ص 97) و (ستكون بخير.. sir) (ص 136) و (ماذا تقصد بكلامك sir) (ص 144) و(لأن النظام procedure هو أن يقوموا بتنظفيك) (ص 144) و (ردك هو نوع من التهكم sarcastic أليس كذلك) (ص 144) و (نعم "سير") (ص 145).
ولقد وردت في النص مجموعة من الكلمات الإنجليزية بالحرف الإنجليزي جنباً إلى جنب مع الكلمات العربية مثل: (Love seat)، (The worst scenario)، (Data)، (Must)، (why wait)، (a Piece of cake)، (Bridge)، (today we have anew born baby)، (The white whale)، (Never say never)، (Snow)، (The citadel)، (Yes sir)، (Please)، (Professionals)، (sweet Roll)، (mood)، (I Just Want To Help)، (Ignorant).
أورد الكاتب أيضاً كلمات انجليزية متداولة في اللهجة المحلية الدارجة ووضعها بالحرف الإنجليزي ونصصها مثل كلمة (Game) وهي متداولة وبالأخص في لعب الدومنة والكيرم والورقة بنفس الاسم، ولو كتبها بحروف عربية كما كتب بعض الكلمات الإنجليزية لكانت مقبولة أيضاً.
كما وردت في النص أيضاً بعض الأمثال المتداولة محلياً مثل: ولد بطني يفهم رطني (ص 190)، فيها أو في الخيشة (191)، إذا شفت صاحبك حلو لا تاكله كله (ص 209)، يكاد المذنب يقول خذوني (217) وغيرها من أمثال وحكم.
الزمن في الرواية
الزمن في هذا العمل حدده الراوي مسبقاً بمدة أربعون يوماً، لكن هذه الأيام الأربعين رغم تطورها وتطور أحداثها يوماً بعد آخر، وجدنا الزمن من خلالها يتشظى في الماضي القريب والبعيد، فحيناً نجد البطل في أيام الطفولة وحيناً نشهده في ذروة الشباب، وحيناً آخر نجد أنه يتنبأ ويستشرف المستقبل من خلال الحديث عن خوارزميات الذكاء الاصطناعي يقول: "لا يستبعد في المستقبل أن يتم استبعاد الممثلين المُكلفين والمُتطلبين من المهنة واستبدالهم بشخصيات يخلقها خبراء الخوارزميات (ص 54).
وبهذا فقد شكل النص إلى جانب الزمن الأساسي أزمان أخرى مختلفة سواء جاءت هذه الأزمان من خلال التداعي أو من خلال دلالات وعلامات ورموز وإشارات مختلفة، فإذا أشار للماغوط أو للنواب أو لأم كلثوم أو لحميد منصور أو إلى ياس خضر فإن المتلقي سيعيش زمن خاص بهذا التداعي والشخصيات التي وردت فيه، وبالأخص عند الأشخاص الذين عايشوا تلك الفترة، وطربوا للكلمات سواء كانت شعراً أم أغنية أم حدث، وبهذا سيعيش المتلقي لحظته السابقة التي أشار لها الراوي.
فالراوي هنا في الحقيقة لا يحيل القارئ على مجرد أسماء لأشخاص أو لأحداث أو لحكم أو لأمثال أو حتى إلى روايات أو أفلام بل هو يحيلهم إلى تلك اللحظة التي ارتبطت لديهم كمتلقين بشيء معين اختزلته الذاكرة في لحن أو كلمة أو صورة أو رائحة، ولهذا يعيش المتلقي ويستشعر عالم الشخصية في هذه الرواية، من خلال استشعاره لعالمه الخاص به، الذي ارتبط لديه في اللا شعور بهذه التداعيات وعايش اللحظة مع الشعر أو الأغنية أو الفلم أو الرواية أو أي شيء آخر أشار أو تداعى له الراوي.
إذن يقوم الراوي هنا بإثارة ذاكرة المتلقي وتحريك الارتباطات الشرطية التي ارتبطت بهذا الأمر، وهو هنا في الحقيقة لا يحيل أي متلقي، وإنما يحيل ويشير ويثير إحساس المتلقي النوعي والنخبوي الذي عاش شطراً من هذه التمظهرات، وبهذا فهو قادر بشكل سلس أن يسجل تفاعل هذا المتلقي مع ما أشار وبهذا أيضاً يجعل المتلقي يعيش لحظته الذاتية فيتلمس إحساسها الشعوري ويستشعر عالم الراوي بشكل قوي جداً.
الشخصيات
ظهرت في هذا العمل شخصيات كثيرة لكن هناك شخصيتين هامتين الشخصية الأولى هي شخصية الراوي التي ظهرت في بداية العمل وأخذت تروي لنا كيف حصلت على أحداث هذه الرواية وكيف عملت على إعدادها وتقديمها لنا بهذه الطريقة السردية.
وهناك أيضاً الشخصية الرئيسية في العمل والتي نشهد تطورها ونشهد تواجدها في الحدث زمانياً ومكانياً كما نشهد تداعياتها المختلفة واسهامها في توليد أحداث ومواقف الواحدة بعد الأخرى، وقد شهدنا تطور هذه الشخصية كما شهدنا تحركها في المشهد، وكان حولها مجموعة من الشخصيات لكن تلك الشخصيات كان بعضها باهتاً نسبياً، وبعضها الآخر كنا نراه يدخل في المشهد ثم يخرج، وبعضها كان يغيب طويلاً ليخرج مرة أخرى، لكن تلك الشخصيات لم نشهد تطورها، ذلك أن العمل ركز على شخصية رئيسية محورية نرى من خلا لها الأشخاص والأحداث والمواقف، ولهذا يبدوا العمل أشبه ما يكون بقصة طويلة، أو بسيرة ذاتية مخصصة بهذا الحدث، كما عبر عنها الدكتور حسن البريكي فيما كتبه على الغلاف الخلفي للرواية.
عرجت بنا هذه الشخصية على أمور كثيرة من خلال الاسقاطات التي أحالتنا على عوالم مختلفة سواء ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو دينية، وهذا ما جعل النص مثقلاً باستدعاءات كثيرة للماضي بحلوها ومرها، سواء تتعلق بالشخصية بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد مرت على شكل تداعي وخطرات تخطر على بال الشخصية بين وقت وآخر كومضة سريعة، ولا شك أن أي إنسان مر بما مرت به الشخصية في النص سيذكر مواقف وأحداث مرت عليه سابقاً وهذا أمر طبيعي، لكن أن نجده يذكر روايات وأفلام وأغاني وقصائد الواحدة خلف الأخرى فهذا أمر مستغرب نسبياً ومع ذلك فحدوثه أيضاً ممكن وهذا ما وجدناه في هذه الرواية التي أصبحت تحيل القارئ على روايات وأفلام وأغاني وقصائد وغير ذلك.
فهذه الشخصية بعلاقاتها وصداقاتها المختلفة قد أشعرتنا بصخب الصراعات الفكرية التي عايشتها خلال فترة مبكرة وبالأخص عندما تذكر صديق يتحدث عن السرير قائلاً: "إن الشخص الذي فكر في صنع السرير والطاولة لا بد أن يكون برجوازياً خطيراً" (ص 52).
وهذا في الحقيقة يفتح لنا نافذة من نوافذ هذه الرواية على فترة زمنية لعلها تمتد من الخمسينيات والستينيات وكذلك السبعينيات وبداية الثمانينيات الميلادية في القرن الماضي، وذلك من خلال إلماحة بسيطة على فترة كانت صاخبة بالحركات والأحزاب الفكرية والتحررية، فالحركات البعثية والشيوعية والليبرالية كانت تعيش حالة من الصراع فيما بينها، وكانت مصطلحات مثل البرجوازية، والإقطاع، والرأس مالية، والبروليتاريا، والإمبريالية، والاستقراطية، وغيرها من مصطلحات رائجة بشكل كبير في هذه الأوساط، فضلا عن رواج مصطلحات أخرى مثل المنتمي وألا منتمي، والزميل والرفيق، واليسار، واليمين.
ولا أجد تضمين شعراء مثل مظفر النواب، ومحمود درويش، الذين شكلوا رموزاً ثورية تكتب الشعر، إلا من هذا المنطلق الثوري التحرري، فالراوي يقدم لنا ارهاصات واستجابات لهذا النوع من الحراك، ولا شك أن إلماحته لمظفر النواب فيما أورده في النص (امرأة كانت تقف قبالته وقد خرج أكثر من نصف نهديها، تأرجحت ذاكرته بين (رأس القط) للنواب أو بـ(نهود الزوجة) للماغوط" (ص 50) تنطلق من هذه الاستجابة.
ولا شك أن النص قد حمل إحالات كثيرة كما حمل اسقاطات كثيرة أيضاً قدمتها الشخصية سواء لقصائد شعرية أو أفلام أو أغاني، فقد ظهر من خلال التداعيات أميل حبيبي (ص 110) وياس خضر من خلال أغنيته إلى الماء يسعى من يغص بلقمةٍ، إلى أين يسعى من يغص بماءِ، وهي كلمات مساوية ومقابلة للكلمات التالية: بِالمِلحِ نُصْلِحُ ما نَخْشى تعَفُّنهُ، فكيف بالملحِ إن حلَّت بهِ العَفَنُ، وظهرت في النص كذلك أغنية أمل حياتي لأم كلثوم (ص 91) وأغنية سلامات لحميد منصور(ص 202)، وبرز فلم (The white whale) (ص 106) وفلم حياة باي life of pi (ص 147) ورواية (موبي ديك) لهرمان ملفل إلى جانب أفلام وروايات وأمثال وأغاني ومواقف وأحداث أخرى مختلفة، كما حمل النص أيضاً تداعيات مختلفة لم يخلوا بعضها من التهكم مثل:
1- "كانوا يقولون لنا: الشيوخ أبخص، وهذي إحنا نشوف النتائج" (ص 31)، وهو يشير هنا لكيفية قيام الشيوخ والمطاوعة بإدخال البلاد والعباد في حروب وأصبحوا يقتلون الناس باسم الدين باعتبار الآخرين كفار وبهذا قاموا بأعمال إرهابية لا تمت للدين بصلة.
2- "كم يبدو منظر سقف المستشفى قبيحاً، هكذا هي الحياة، لكل مخلوق، لكل إنسان، لكل مبنى، أكثر من وجه، أحلاها عادة هو ذلك الذي يستقبل المستهدفين" (ص 47)، وهذه حقيقة حياتية تعايشها الإنسانية، فلا أحد يريد أن يقدم وجهه القبيح للناس، ذلك أن القبح مذموم في الأصل.
ولقد قدم النص تداعيات كثيرة تحيلنا إلى ذات اللحظة وكل ما فيها من دفئ ولون وحياة لنعيشها مع الشخصية من خلال أغنية أو من خلال جملة مسيقية أو من خلال مثل شعبي أو من خلال فلم أو من خلال كلمة أو إشارة مختزلة ذات بعد شرطي، ارتبطت في اللا وعي، ولهذا فهذه اللحظة تتجدد كلما تجددت الإشارة والدلالة لهذه الذكرى فيداخلنا السعادة أو الحزن لمجرد التقاطنا لهذه الومضة.
ولعل أكثر ما ذكرته الرواية قساوة حادثة الطبعة عندما ضربت عاصفة هوجاء منطقة الخليج العربي وغرق الرجال والقوارب التي انطلقت للبحث في رحلة الشقاء عن اللؤلؤ، وتركت جروحاً عميقة في مختلف بلدان دول الخليج، فيأخذنا الشخصية عبر كلمات شعرية طالما رددتها أفواه النساء والرجال ورددها النهام فوق هامات السفن قائلا: "أم الحمايل يدفوها على السيف، كلها صبيان تير المياديف، أم الحمايل.. باير وياكم يا رايحين الغوص، باير وياكم" (150)، وقد أشار للفلم القصير الذي تم إنتاجه محليا حول حادثة الطبعة وهو فلم "بقايا بوح" ص 150
ويبدوا من كل ما استعرضته الشخصية من مواقف وأحداث عصفت بذاكرته، قد أصبحت سجلاً حافلاً عما ينتابه من آلام أثرت على شخصيته بشكل كبير، لكنه من جانب آخر أيضاً رجل مولع بالتراث والتاريخ ولهذا وجدناه يتلو لنا القصص ويمعن في التفاصيل التي كانت بمثابة المحرك والمحفز وبمثابة نقطة الارتكاز في عملية الارتباط الشرطية للشخصية بهذه الأحداث ولعل هذا ما أكدته الشخصية في الرواية عندما نقل الراوي نصاً لجمس هنري برستد في كتابه "فجر الضمير" (ص 154)، فالحكاية لا يمكن أن تحفظ وتروى إلا من خلال التفاصيل الصغيرة التي تمثل ركائز وعلامات وارتباطات عقدية للشخصية الروائية سواء كانت رشفة فنجان أو رائحة قهوة، فهي في الحقيقة لحظة الومضة ولبنة الزمن التي ارتبطت بالحدث الأساسي وهي كذلك تمثل زر التسجيل الذي ضغط ليسجل الحدث وظلاله، ويقوم بتجميده ويحفظه ليتم استدعاؤه كلما اتيحت الفرصة.
وإذا كانت هذه الرواية قد كتبت لعموم القراء إلا أنني أرى أنها كتبت لقراء خاصين جداً يعيشون لحظة كل كلمة وكل جملة وكل عبارة فيها، فالإحالات وما تضمنته الرواية من أسماء وأمثال، وما حمله النص من دلالات وإشارات ورموز تجعله أكثر خصوصية عند أشخاص بعينهم.
وهنا يحملنا النص على التساؤل التالي: هل هذا النص هو نص نخبوي بالدرجة الأولى؟ أم هو نص عام مفتوح؟
شخصياً أميل أن يكون هذا النص نخبوياً بامتياز، وأظن أن كثيراً من الرموز والاسقاطات والتداعيات التي حملها النص لا تنفتح على الجيل الحالي، لكنها تنفتح بالضرورة على الجيل القديم وجيل المخضرمين الذي يفهمون تماماً بعض الدلالات والإشارات في هذا النص سواء كانت إشارة إلى أغنية أو مسرحية أو رواية أو أي كلمة تحمل رموز وإشارات ودلالات مثل ما حملت كلمة البرجوازي، فهذه الكلمات في الحقيقة تأخذ بالمتلقي الذي عايش تلك الفترة المليئة بالصراعات الفكرية وغير الفكرية سواء على المستوى المحلي أو على المستوى العالمي حيث انقسم العالم إلى معسكرين سياسياً واقتصادياً وفكرياً وحركياً، أحدهما رأس مالي والآخر اشتراكي، وإذا كانت الرأسمالية قد انقسمت أحزابها بين الديمقراطيين والجمهوريين، فإن الاشتراكية قد اتجهت لمجموعة من الأحزاب تنتسب للاشتراكية مثل حزب العمال، وحزب الشعب، والحزب الوطني، والحزب القومي، والحزب الشيوعي، وحزب البعث، إلى جانب أحزاب ومنظمات وجبهات بأسماء أخرى مختلفة تنتسب في النهاية للاشتراكية.
وفيما يخص شخصية مثل شخصية "عبب" (ص 187- 194) على سبيل المثال أو غيرها مما ورد من شخصيات وما ورد من أمثال وروايات وأغاني وأفلام وقصائد كلها تأخذ من عايش هذه الدلالات والرموز والإشارات وتحلق به في فترات زمنية لا يمكن أن يصل لها غيره بالمعنى الحسي الشعوري.
أنا شخصياً أتصور الموقف كاملاً عندما تتحدث الأم مع الشخصية أثناء طفولته وهي تقول له: أكيد لعبت به مع (المصبنة) في القهوة وخسرته، وأكيد مع ذاك القوبعة اللي يسمونه (عبب) (ص 190) فلا يسعني إلا الضحك عندما أتصور هذا الموقف لكن لن يكون الجميع قادرون على تصور هذا الموقف، بل أن البعض سيحاول فهم الكلمات قبل كل شيء، وسيبحث عن كلمة القوبعة في محاولته للفهم.
وما ورود كلمة (أبو السناسين) (ص 192) في النص أيضاً إلا جانب آخر في هذا التداعي الذي لن يلامس الشخصية في النص فقط بل يلامس المتلقي النوعي والنخبوي الذي عايش تلك الفترة أو عايش هذه المفردات وفهمها تماماً.
ولهذا فأجد أن هذه الرواية تتميز بأنها اتكأت على مجموعة من القصص والأحداث والتداعيات لتأخذ بالمتلقي النوعي أو النخبوي لعوالم خاصة حدث في فترة معينة يتشارك الشخصية في النص إحساسها مع القارئ النوعي أو النخبوي الذي سيعيش زمن التداعي الذي أورده الراوي في النص.
ومن الأمثلة التي تجعلنا نقف على مواقف وأحداث تمثل الأكثر خصوصية في هذا النص ما أورده عن منافسة حيهم لحي آخر عندما يقول: (يسمونا يحاليف عيال التواليت والهافات الكلسون) (ص 192)، فهذه العبارة بكليتها تحتاج إلى قاموس ليتعرف البعض على مفهومها ويفهم المغزى منها كما يفهم لماذا هذه المنافسة بين الحيين وما أسبابها.
هذه العبارات وغيرها تقدم للمتلقي النوعي الإحساس بالزمن وبالموروث الثقافي فعندما يقول على سبيل المثال: (كانت مصرة على موقفها "نجرب، ما بنخسر حاجة"، واستخدمت مثلاً شعبياً قليلاً ما تستخدمه النساء) (ص 123، 124)، فإن المعايش لتلك الفترة لن يغيب عنه المثل، بل سيتذكره كما يتذكر الوجبة التي أكلها قبل قليل وهو: (إن لقحت وإلا ما ضرها التيس)، فهذا المثل كان حاضراً ليتطابق مع الموقف في ذهن المتلقي الذي يخبر زمن التداعي وحيثياته، بالرغم أن الراوي لم يشأ ذكر هذا المثل في النص لكن الإشارة له جعلته يقفز في ذهن المتلقي الذي عايش تلك الفترة بكل ما فيها من ضلال وألوان وأطياف مختلفة.
وبهذا فأجد أن الزمن في النص وكذلك الشخوص ليست خاصة فقط بالشخصية في النص وإنما تنفرج لتتعدى الشخصية في النص إلى المتلقي النوعي والنخبوي الذي يخبر هذه العوالم ويعرفها تماماً.
المكان
برزت مسميات كثيرة لأمكنة مختلفة في النص فقد وجدنا الخبر والبحرين وايرلندا، لكنه عندما ذكر لندن ظهرت مجموعة من الأماكن مثل (مطار هيثرو، سنترال لاين، معرض الفن الحديث، شارع أكسفورد، هارولد ستور)، وكذلك عندما ذكر أمريكا حيث ظهرت نيويورك، وتحديداً مانهاتن ووسط مانهاتن وبرجي التجارة العالمية.
في الجانب المحلي برزت الظهران وجبلها الشهير وبرج المراقبة والرادار وكلها من أبرز معالم الظهران (ص 93).
رسم لنا الراوي من خلال التداعي أيضاً صورة القرية البسيطة الفقيرة أثناء حديثه عن لعب كرة القدم (ص 9) بأكياس معبأة بأقمشة ممزقة كانوا يرون فيها أروع كرة على وجه الأرض، ثم يسترسل بعد ذلك في جانب آخر فيصور القرية من خلال إحدى الولادات ويقول: منذ ولادته على يد قابلة في غرفة مظلمة على منام بسيط تختلط في تلك اللحظة صرخات الأم بأصوات المواعين برائحة الحطب المحترق لتسخين الماء، وزقزقات الطيور وخوار البقر (ص 14).
مناقشة عامة
قدم النص شروحات وأوصاف لا أظنها تفيد القارئ، لكنها تبعثه على الملل فمثلا في (ص 103) يقول: "أخذت ما يشبه القلم به إبرة في الرأس، شعر بوخزة ناعمة وسمع "كلك" سال الدم، قربت جهازاً صغيراً في مقدمته شريحة، وانساب الدم على تلك الشريحة". وأظن في هذا النص لو أن الراوي أكتفى بجملة "الجهاز الصغير المخصص لفحص السكر" لكان ذلك أبلغ، فغالبية الناس اليوم يعرفون هذا الجهاز، ولا شك أن لكل شخص في ذهنه حكاية مع هذا الجهاز الذي أكتسح أغلب البيوت في المملكة العربية السعودية.
ولعلي اتلمس أهمية وصف شاب قبالة باب الطوارئ يلبس تي شيرت مكتوب عليه العبارة الانجليزية (I love u) (ص 37)، فهو يقدم من خلاله أصر هذا الشخص على التعبير عن حبه لوالدته أمام من يتكلم هذه اللغة، وإن كانت والدته لا تعرف ما هو مكتوب على التي شيرت، إلا أن الأجانب الموجودين في المستشفى يعرفون ما تعنيه هذه الكلمات، وأنه بالفعل يريد أن يخبرهم بأنه يحب والدته من خلال العبارة التي توجت التي شيرت.
وجدت بعض الخلل في صياغة النص مثل: (كم سوف يستغرق وضعي لهذه الكمامة؟) (ص 112)، وخلل آخر أيضاً في قوله: (طالما كانت هناك حاجة لذلك فسوف يبقى) (ص 112)، وكان يمكن أن يستغني عن (سوف) في كلا العبارتين ويستعين بالسين فقط فيستقيم المعنى بشكل أكثر تشذيباً، كأن يقول: "كم سيستغرق وضعي لهذه الكمامة؟" و "طالما كانت هناك حاجة لذلك سيبقى"، والملاحظ هنا أنه ذكر كلمة كمامة ولم يقل قناع في (ص 16)
جماليات
قدمت الرواية كثير من النصوص الجميلة لكنني أجد أن التفسير الذي قدمه الراوي على لسان الشخصية حول الموسيقى يمثل أعلى الجمل والعبارات الرائعة التي جاءت في النص أنقل هنا جزء يسير منه يقول: "كما تشاهد مباراة رائعة وتكتيكات بالكرة على أمل أن ينفرد بها أحد المهاجمين، اسمع هنا كيف ينفرد الكمان في حوار مع الفرقة، يسأل وتجيبه (ص 90، 91)، ولم يكن يكتفي بهذا بل عرج على كلمات من أغنية "أمل حياتي" لأم كلثوم ليظهر جانباً من الأمل، رغم ما ينتابه من خوف ومن وجل، وليكون ذلك باعثاً حقيقاً على التفاؤل، الذي أكمله عندما شاهد لوحة الشمس وأنغمس في تداعي لأغنية حميد منصور سلامات.
0 تعليقات