في عالمنا العربي المليء بالمشكلات والصراعات والثورات والحروب، تبدو الكتابة عن هذه الحروب وآثارها وما تخلفه من تداعيات على المجتمعات قريبة ومتاحة، بل ربما يتحول الأمر إلى انصراف الكثير من القراء عن قراءتها لفرط ما شاعت وتكررت، أو لرغبتهم في الهرب من هموم تلك الحروب وآثارها السلبية إلى كتابةٍ تحلق بهم في آفاق الخيال الرحبة،  ولكن رغم ذلك يبدو أنه يحدث أحيانًا في وقتٍ ما أو"ساعات محددة" يشعر المواطن في بلداننا العربية أن ثمة شعاعًا للحرية ظهر وطاقة للأمل بدا أنها اقتربت، فيحرص بسرعة على أن يرصد تلك الحالة الاستثنائية، بل يود لو كان باستطاعته أن يوقف الزمن كله والساعات كلها لكي يستعرض تفاصيلها الثرية علها تستمر وتدوم!

على وقع كلمات أغنية صباح "ساعات .. ساعات .. أحب عمري وأعشق الحاجات" يبدأ إسلام أبو شكير تلك النوفيلا الجديدة التي يواصل بها مشروعه السردي شديد الخصوصية والتميز، وهاهو هذه المرة يعرض أفكارًا جديدة ولكنها داخل نفس ذلك العالم الذي اعتدنا عليه منه، عالم متخيّل يمزج بين الواقعي والديستوبي ببراعة، ينطلق من الواقع ومشكلاته وأزماته لكنه لا يغرق في الميلودراما ولا يجنح إلى التسطيح، بل يركز على فكرته وشخصيته الرئيسية وعالمه الفريد، ويقود القارئ معه خطوة خطوة، حتى يصل معه إلى بر الأمان  بحالٍ من التعجب والسخرية في الوقت نفسه.

ماذا يحدث إذا تحقق لنا كل ما نريد؟ هل يحلم الناس بالعدل والمساواة؟ هل يرون فعلاً أن إرادتهم يبنغي أن يستجيب لها القدر، والعالم بأسره؟ هل ضاقوا ذرعًا بالسلطة وتحكم النظام؟! هل يرفضون النظام ويريدون أن يعيشوا في الفوضى؟! ما الذي نقصده بالمساواة؟ وماهو العدل وكيف تتحقق الحرية؟؟ أسئلة كهذه وأكثر لاشك دارت وتدور في ذهن القارئ والكاتب كذلك، ولاشك أنه بأثرٍ منها جاءت هذه الرواية. 

هل نريد أن أن يكون الناس سواسية؟! يتشابهون؟! هاهو بطل روايتنا من اللحظة الأولى التي يواجه فيها المرآة يشعر بذلك الشعور المتميز .. الناس كلهم مثله، بل إنهم يحملون نفس ملامحه وملابسه وأدواته، بل ويبدو حينما يتحدثون أنهم ينطقون الحروف نفس الأسئلة والردود، أليس في ذلك قمة التساوي؟! لم يقتصر الأمر على الناس في المصعد، بل وفي الشارع والمبنى الذي يعمل به، ثمة شعور عام أنهم جميعًا سواسية ..

لا يقتصر الأمر على المبنى والشارع والبيت، بل إننا نلحظ أن البطل يتحدث عن العالم، لاعن مدينته أو بلاده، وهو إمعانًا في تلك اللحظة السحرية (التي لاشك أن لها علاقة بالحرية) يرى أن العالم كله أصبح طوع أمره:

(لقد اعتدت على هذا النمط من التبدل الكلي في ملامح العالم، حيث يتحوّل العالم إلى شاشة عملاقة تلتقط هيئتي وتعيد بثها على مساحة الكوكب بأكلمله!  فكما كان العالم اليوم، قبل ساعة واحدة، يلبس بدلتي الرماديةّ وربطة عنقي البنفسجية، وكما هو الآن مخفر يحتله رجال الشرطة، فكذلك كان في أيامٍ أخرى، يعيد إنتاجي بصورٍ لا حصر لها، تتبّدل تبعًا لما أختاره وأكون عليه، دون مقاومة، دون نقاش، ودون أدنى تأخر في التنفيذ. أجريت ذات يوم عملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية، لم تكن معقدة كثيرًا، لكنّ أثرها على الخارج كان مذهلاً، إذ بدا وكأنها أجريت للعالم كله، لا لي وحدي. انقلب العالم إلى مشفى هائل لا يسكنه سوى المرضى .. )

هكذا يأخذنا الكاتب مع بطله الاستثنائي عبر خمس فصول يتغيّر فيها وعيه تدريجيًا، فننتتقل معه بعد أن عرف أنه يجب أن يتوجه إلى المخفر إلى حديث هام/ هامس، بينه وبين نفسه عن "الشرطة" والنظام، لنعرف منه أنه طالما كان حريصًا على النظام مقتنعًا بأهمية دوره في الحياة حتى لاتعم الفوضى، وأن القوانين إنما وضعت لضرورات وجودية، وأن كل ذلك أمر ينبغي الحفاظ عليه والالتزام به، حتى يصل إلى مفاجأة أنه يرتدي ملابس الشرطة ويتحوّل العالم كله من حوله إلى "مخفر كبير"

هكذا تتصاعد الأحداث، وتتوالى المفاجأت، والرواية رغم قصرها (لا تتجاوز المائة صفحة) حريصة على التكثيف، فمع أمر الاستدعاء تتوالى أفكار الخطر والتهديد على نفسية البطل، ولكن الأمر يتلاشى أو يقل كثيرًا بمجرد ذهابه إلى هناك بالفعل، ومواجهة الضابط الذي يخبره بالخبر الهام وهو أن "أحدهم قد اختفى" تلك الكلمة البسيطة التي تبدو كاتهام في البداية، سرعان ما يتلاشى أيضًا ولكنه لا يلبث أن يتحوّل إلى حقيقة تحيط بطل الرواية وعالمه!

(حاولت البحث عن ملامحي بين العابرين، ضيّقت عيني لضمان رؤية أشد تركيزًا، لم ينج شخص من نظرتي، بل لعلي كنت وقحًا وأنا أسلّط هذه النظرات على العيون والأنوف والذقون وكل تفصيلة في الوجوه، فضلاً عن الملابس والحقائب والأكياس والكلمات، .... دققت في كل شيءٍ بعناية الآثاري الحريص على ألا تفلت منه ذرة غبار ... ومع ذلك لم أجدني!  . .. .  لم أجد من يشبهني، لا وجه يشبه وجهي لا مشية تشبه مشيتي .. عالمٌ لست فيه)

هكذا يتحول الاختلاف إلى كارثة، والتنوع إشارة بتهديد الوجود نفسه، يأخذنا الكاتب في هذا العالم الغرائبي بكل يقين، ليفكك أسئلتنا حول علاقتنا بأنفسنا وبمجتمعاتنا، تلك الأسئلة الملتبسة التي ندور حولها طويلاً، وتقوم من أجلها الحروب والصراعات، من نحن فعلاً وماذا نريد؟! هل إذا تحقق التشابه والتساوي بين الناس في كل شيء سنكون قد حصلنا على المساواة والحرية بالفعل؟! هل النظام هو الذي يقنن الفوضى ويمنع الجرائم أم يفرض سلطته  على الرقاب ويغيّر الأفكار ويشوه المجتمعات؟!

على الرغم من أن الرواية تنتهي بسرعة بالفعل، إلا أن أسئلتها – شأن كل كتابة جادة – تبقى حاضرة، بل واستعادة تفاصيلها، وحرص الكاتب فيها على عدد من الإشارات الدالة التي ربما لاتمنح نفسها للقارئ في المرة الأولى، يجعل من الرواية أشد ثراءً وعمقًا مما تبدو عليه.

"ساعات .. ساعات" هي النوفيلا الخامسة لإسلام أبو شكير، بعد ست مجموعات قصصية، والتي يواصل فيها – كما أشرنا – بناء عالمه السردي المتفرد، الذي يجمع بين الواقعي والديسوتبي، ويتميز ببعض السخرية، كما يثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام أكثر ما يمنح من إجابات، وهو في الوقت نفسه يأتي مشحونًا بعدد من الأفكار والرموز التي تبدو للقارئ بسيطة لأول وهلة، ولكنها تحتاج المزيد من القراءة والتأمل.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم