تمهيد:

  تنفتح الرواية المعاصرة على جملة من الأسئلة الجماليّة والثقافيّة، وأيضا تتداخل مع معارف مجاورة للأدب مثل الفلسفة وعلوم الإنسان والاجتماع والنفس مما جعل الروائيين ينخرطون في هذا المسار منتجين بذلك نصوصا روائية بحمولة معرفية، تستدعي بدورها مقاربات عبر تخصصية، بعيدا عن المناهج النقدية بطابعها التقني.

ويحاول البعض من الروائيين الجزائريين التعامل مع قضايا عديدة مثل: الرواية والذاكرة الوطنية، والرواية والمقاومة الثقافية والرواية وحقوق الإنسان والرواية والبيئة والرواية والأمن الثقافي، والرواية والذكاء الاصطناعي وغيرها من الأسئلة الجديدة...

     الأمر الذي أفرز نوعا من  القراء الذين لم يستسغوا هذه العلاقة المتعسفة بين الأدب والمعارف المذكورة سابقا، بحجة أنها ليست أسئلة جوهرية للأدب، وكونها معارف بعيدة عن هذا المجال...

ولكننا سنحاول التعامل مع رواية الطانفا الصادرة مؤخرا، والتي وظف فيها الزيواني حمولة معرفية توزعت بين التاريخ والأنتربولوجيا والأسطورة والثقافة المحلية والتجارة  والجغرافيا  وغيرها من المعارف

وقد اختار الزيواني لنفسه منذ سنوات الاشتغال على الثقافة الإفريقية في فضائها الجزائري. متخذا لنفسه دربا فريدا،  وقد تجسد  ذلك في نصوصه الصادرة سابقا مثل مملكة الزيوان وكماراد ومنّا: قيامة شتات الصحراء، دون إغفال كتبه: رحلاتي إلى بلاد السافانا، ورشوق،  ونوادر وادي بوعلي، ملح سردية غارقة في المحلية...

1-بوغرارة شيكور الطانفا في لافريك

    يمنح الصديق حاج أحمد الزيواني في روايته "الطانفا" عمقا إفريقيا للشخصية الجزائرية بعيدا عن الأطروحات الاستعمارية التي تسعى إلى عزل الجزائر عن حاضنتها الإفريقية.  ويبدو أن الروائي قد تفطن لهذه الدعوة فرد عليها بالكتابة، واختار فضاء إفريقيا بامتياز، ينطلق فيه من بلاد توات بالجزائر ليمتد حضور شخصية "بوغرارة" بطل الرواية إلى بلاد السودان الغربي كما كانت تسمى.

وتستند هذه الرواية على نص إطار بمثابة محفز لكتابة بروفة نص "أغمّو"، -ويحيل هذا العنوان  على أحد تمور منطقة توات بصحراء الجزائر-  وهو محاولة الرواي وهو طالب من الصحراء الجزائرية أن يشارك في تجربة معرفية في كيب تاون بجنوب إفريقيا تتمثل في منحة دراسية بعنوان إراسموس + لمدة عامين...

يُقْدم  هذا الطالب على كتابة بروفة روايته بعنوان أغمّو، وهي بمثابة مخطوطة نص الطانفا، مما يدعونا إلى الإقرار بالتداخل بين الراوي (الطالب) وبين الروائي (الزيواني)

   ينطلق الزيواني في هذه الرواية من تجربة بوغرارة ابن قصور توات، بأدرار في تجارة  قماش الواكس الإفريقي، وكيف أصبح أحد أعيانه في إفريقيا، حتى وصل صيته إلى أماكن عديدة من العالم.

  لقد حقق "بوغرارة شكيور الطانفا في  لافريك " -كما تصفه الرواية-  "ص31" حلمه في أن يصبح تاجرا كبيرا ومعروفا، حين عزم على تطبيق المثل السائر في بلاده: " دواء الجرب القطران ودواء الزلط السودان"، رغم أنه كان يملك "قواريط ماء الفقارات وواحات النخيل" 

     تنبه بوغرارة إلى ضرورة تجارة التمور، وهي التجارة المشهورة في الصحراء، والتي يعرف بها سكان منطقة توات ، إذ لم تكن هذه المنطقة منطقة عبور فحسب،  بقدر ما كانت مركزا للتجارة كما تقول المصادر التاريخية.

    يرتقي بوغرارة في سلم  التجارة ليصبح أحد كبار تجارة تمور توات في مدينة "قاو" المالية، حيث شاع اسمه في كل أحياء قاو، الراقدة على الضفة الشرقية لنهر النيجر...ص113

    ليكتشف بعد ذلك ضرورة الانخراط في تجارة "كتان كودا" ، و"طالما سأل ، حين وجد قماش الطانفا في هذه البلاد مشتهى، يتنافسون في لباسه رجالا ونساء، بينما في توات لا يحفلون به كثيرا، بالكاد ترى تاجرا زين به حيطان صالة ضيوفه أو استعارة رداء للمنافذ، مفارقة لم من عتمتها ثم لماذ لا يرغب هؤلاء القوم في لباس الطانفا؟  ص119

   لقد فتحت تجارة قماش الطانفا أمام بوغرارة عالما للشهرة، فقد أبرم في شهر جانفي/ يناير 1981، اتفاقية تجارية وصفت يومها بالأسطورة مع ممثل شركة (VLISCO) الهولندية، المنتج الحصري  لقماش الطانفا  بإفريقيا وشتاتها بحزر الكاريبي...ص 31     

2-رواية الطانفا والحس الوطني

    لم تغفل رواية الطانقا في استحضار الحس الوطني ودور بوغرارة في العمل الثوري، وقد  كان " بريدا للجبهة الجنوبية بين قاو وأدرار خلال تمريرات موفقات، قام فيها بتأمين السلاح والرسائل، نال تقدير العام والخاص، بما أباه في سبيل الوطن..." ص 145.

    لم يكن همّ بوغرارة التجارة وما حققه من شهرة في إفريقيا أو ما أحرزه من مكانة في قصور توات وبخاصة قصر وادي بوعلي فحسب، بل إنه وجد نفسه بعد مدة مناضلا في صفوف الجبهة الجنوبية للثورة الجزائرية، فقد عاد مناضلا بارزا يشار إليه بالبنان، بين الزعماء في قاو والقادة في أدرار وطاولة مركز الثورة ، لا يقام اجتماع موسع أو مغلق لخاصة الخاصة، من شؤون الثورة المسلحة إلا نودي عليه ويطلب رأيه فيه، ما زاد من علاقته الاجتماعية وجذر نضالاته الثورية وبين الجالية الجزائرية...ص 145

     وتثير الرواية قضية مهمة من تاريخ الجزائر، تتمثل في وقوف سكان الصحراء الجزائرية ضد كل محاولات فصلهم عن الشمال، حيث يعيد النص استدعاء شخصية محمد ولد محمود الأرواني الذي كلفته الإدارة الاستعمارية بمهمة محددة وهي السعي إلى أعيان الصحراء الجزائرية وتحريضهم على الانفصال عن الشمال...ص127،  ولكنه عاد خائبا كما عادت فرنسا الاستعمارية خائبة...

 وما يجسد هذه الخيبة الحوار الذي دار بين بوغرارة وسائقه بيقا الذي يقول " أعيانكم وشيوخكم  كانوا وطنيين" ، يرد عليه بوغرارة: هذه عقيدتنا، الوطن كاملا لا يتجزأ..." ص128.

ولقد عاش بوغرارة فرحة الاستقلال ودخول زعماء ومناضلين الجهة الجنوبية للثورة الجزائرية إلى بلادهم المستقلة عبر بوابة الصحراء الجزائرية ...

3-الرواية والبعد المحلي: 

  لم يتنازل الروائي عن محليته حيث استدعى فضاء توات وقصورها وما يدور فيها من يوميات سكانها وأنماط معيشتهم ورؤيتهم للحياة، كما اشتغل الروائي على شخصيات تبدو هامشية ولكنها تسهم بشكل لافت في تأثيث الرواية، ومثال ذلك شخصية السائق "بيقا"  الذي كان وفيا لبوغرارة ولازمه منذ مغامرته التجارية الأولى. 

ومما يجب الإشارة إليه في هذا السياق أن رواية الطانفا هي رواية أغمّو، أليست تجارته هي التي فتحت أمام بوغرارة الاهتمام بقماش الطانفا، بمعنى إن أغمو الذي يعد أشهر تمور منطقة توات هو الذي كان سببا لاختياره تجارة الطانفا، أي الانتقال من البعد المحلي إلى  العمق الإفريقي...

فـ"شاحنات موبتي، باماكو، تمبكتو، دكار نيامي، ما فتئت تشحن تمر أغمّو من مخزنه بعدما أفرغت سلعتها المجلوبة من تلك البلدان، صناديق الشاي الصيني، مئات من الدزينات من مراهم نيجيريا الصفراء، لفائف كثيرة ومتنوعة من قماش الطانفا طبعا ، سيعاد بيعها بالذراع أو المتر، في شيء من التقاطر بمحله الجديد بسوق السانكيام..." ص117. 

  الرواية والمعرفة البديلة:   

يعتمد الروائي على معرفة بديلة شكلت نصه الروائي بعيدا عن الأطروحة الاستعمارية التي رسمت الفضاء الإفريقي على أنه فضاء خامل، وخاضع،  لدرجة أنهم اعتبروه "معرضا "  تشكل عبر تمثيلات وصور تشكلت من لدن ذات كولونيالية تتعامل مع الآخر باعتباره متخيلا، كما يرى تموثي ميتشل في كتابه استعمار مصر. وقد تشكلت هذه المعرفة  من مصادر محلية تجمع بين البنية الرمزية لشعوب إفريقيا جنوب الصحراء، وبين المخزون المحلي لسكان منطقة توات التي ينتمي إليها الروائي وبطله بوغرارة المتوغل في مدن إفريقية عديدة من غاو إلى مرادي وصولا إلى لومي الطوغولية جامعا بين معرفته التواتية واكتشافه الإفريقي.

    وقد تم توظيف البنية الرمزية لشعوب إفريقيا من خلال عناصر عديدة ترتبط بأشكال الحياة اليومية وطرق التطبيب والعلاقات مع الكون، وشيوع الفودو الأسود لاسيما في سوق أكوديسوا الطوغولي ...ومدى تعامل القوم في لومي مع النباتات والحيوانات وما يرتبط في مخيال الإنسان الإفريقي حولهما، ومثال ذلك عندما أراد بوغرارة  شراء قرعة اليقطين فقيل له إنهم لا يشترونها للأكل، إنما ينصفونه نصفين ويضعونه في مكان أثير عندهم وتزجى لها القرابين... ص 176

ونتذكر في هذا السياق الأطروحة الإفريقانية التي تسعى إلى الدفاع عن الأبعاد الرمزية والأنتربولوجية للشعوب الأفارقة بعيدا عن المضامين الاستعمارية والصور الزائفة عن إفريقيا باعتبارها فضاء بل تاريخ ولا ماض حضاري، وإن الإنسان الأوربي هو الذي حمل نور المعرفة إلى هذه القارة.... رضوى عاشور: التابع ينهض، الرواية في غرب إفريقيا... ص 15، 16.

وتنخرط رواية الطانفا ضمن النصوص السردية المؤسسة لأدب جزائري بروح إفريقية، مما يجعلنا نصنفها ضمن الخطابات التي تسهم في أمننا الثقافي، بل إنها تمارس نوعا من الديبلوماسية الثقافية. فالصديق حاج أحمد الزيواني قد خَبر بلدان إفريقيا جنوب الصحراء من خلال رحلاته العديدة والتي دونها في كتابه رحلاتي لبلاد السافانا، النيجر ومالي والسودان، الصادر في طبعته الأولى عام 2019 . لتتحول هذه الخبرة بعد ذلك إلى نوع من المعرفة الإثنوغرافية بشعوب هذا الفضاء، ثقافة وسلوكا وممارسات يومية...

وقد وظف الزيواني هذه المعرفة في نصه الطانفا مشكلا بذلك سردية محلية بروح إفريقية دون التخلي عن البعد الوطني الذي جعل بطل الرواية بوغرارة يعود إلى مسقط رأسه بعد أن قضى  عقودا في إفريقيا، لكنه ظل وفيا لأصله.

وتحضر المعرفة التاريخية أيضا في رواية الطانفا  من خلال شخصيات وأحداث ومناطق عديدة، لعل أبرزها الإشارة إلى الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي أحد علماء الجزائر الذين خلدهم التاريخ الذي لعب دورا حاسما في المقاومة الثقافية، بل إنه كان صاحب فضل على إمارة الهوسا بكانو من أدغال إفريقيا...ص 121.

لقد استأنس بوغرارة بشخصية الشيخ المغيلي الذي سبقه إلى بلاد إفريقيا منذ أكثر من أربعة قرون، رغم اختلاف الأدوار فبينما طلب بوغرارة التجارة والثروة طلب الشيخ المغيلي العلم والمعرفة ونشر الدين الإسلامي في غرب إفريقيا ...



  4-بوغرا رة: جزائري بروح إفريقية 

     يمثل بوغرارة شخصية الجزائري في بعده الإفريقي، ومدى تصالحه مع الحياة بل مع الكون من حوله، فرحلة بوغرارة الشاقة التي بدأها من قصره الطيني في جنوب الجزائر مرورا بقاو المالية ونيامي ومرادي  النيجرية ووصولا إلى لومي الطوغولية تمثل العمق الإفريقي للفرد الجزائري بعيدا عن كل الأطروحات التي تحاول أن تعزله عن هذا العمق. كما يعبر حضور بوغرارة في إفريقيا جنوب الصحراء على نوع من الديلوماسية الثقافية التي تعد امتدادا للدبلوماسية السياسية ...

   ويوسع بوغرارة من تجارته للواكس الإفريقي حتى يصل  إلى هايتي التي بدت له " إفريقيا أخرى، ضفة مغرية للاستثمار، لكثرة ما شاهده من لباس الطانفا الحبيبة وما تقاطر على ندوته ، من تجارها وموزعيها بهذه الجزر، المتناثرة بين بحر الكاريبي شرقا وجنوبا وخليج المكسيك شمالا والمحيط الأطلسي غربا..." ص 181.

يستحضر الروائي لهاييتي التي يزورها بوغرارة  قصد حضور ندوة حول لباس الواكس الإفريقي، مستندا على وعي بقيمة هذه البلاد التي تسمى بالابنة الكبرى لإفريقيا أو كما يسميها أشيل مبيمبي بالابنة الكبرى لنزع الاستعمار، إنها فضاء يحيل على الحرية، وهي أحد القيم التي راهن عليها بوغرارة أيام كان مشاركا في الجبهة الجنوبية للثورة الجزائرية.

وتعد شخصية بوغرارة شخصية مركبة، حيث يخضعها الزيواني لبناء منطقي، كما إنه لا يجعل القارئ يتعامل مع شخصية مثالية بقدر ما يربطها بتحولات واقعها الاجتماعي، فرغم تحقق حلم بوغرارة بأن يصير تاجرا كبيرا إلا إنه في النهاية يعود إلى قصره بتوات بعد أن فقد زوجته  ميناتو التي صارعت المرض ولكنه هزمها، وفقدان ثروته ومكانته التي حققها خلال رحلته الشاقة في بلاد السودان الغربي، "فقد عاد بوغرارة لتوات مكسورا، مع أحد أصدقائه القدامى..." ص 211.

تنتهي الرواية بلقاء بوغرارة -البطل العائد إلى أرضه بعد رحلة دامت ثلاثة عقود في عمق إفريقيا-  بالطالب الذي اشتغل على بروفة رواية أغمّو ، هو لقاء الروائي ببطله، ثن يغيب صاحب البروفة في سراب تنزروفت ...ص 214.

  تبقى هذه المحاولة محفزا على قراءة رواية الطانفا التي تحتاج إلى مداخل قرائية عديدة ومختلفة


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم