رواية المطر الأحمر.. وتفكيك الذاكرة والزمن
تُعدّ رواية "المطر الأحمر" للكاتب الليبي يوسف عبد القيوم، عملاً سردياً مكثفاً يتجاوز حدود الحكاية ليصبح ورشة لتفكيك الذاكرة، ومراجعة القناعات الأيديولوجية الكبرى فلا تسرد الرواية قصة، بقدر ما تُعيد قراءة مسار حياة بأكملها، متخذة من آليتي السرد المتعددة وسيلة لرصد واحد، من أكثر التحولات النفسية والفكرية تعقيداً في التاريخ العربي المعاصر.
عنوان الرواية " المطر الأحمر " يلفت القارئ باعتبار المطر هو عنصر يحيل إلى مياه الحياة والشتاء والارتواء والحب ، ، ولكنه حين يكون أحمر فهو يحيل إلى معنى مناقض تماما يحمل رمز الدم ،فعنوان الرواية يشير إلى ظاهرة طبيعية نادرة وهي تساقط المطر مصبوغاً باللون الأحمر، نتيجة لاختلاطه بغبار الصحراء أو وجود جراثيم هوائية من الطحالب الدقيقة،أوملوثات صناعية تصبغ المطر باللون الأحمر، ولكن العنوان روائيا يحمل رموز متعددة ، ومنها أن الأحداث التي تدور داخل الرواية متأثرة ببيئة ملوثة ،بالخطر والتخطيطات الاستخباراتية الدولية التي تدعم الأفكار المتطرفة التي تؤدى إلى الحرب ،وتساقط دماء الضحايا وتتحول فيها السماء إلى بحيرة تتساقط منها أمطار من الدماء تغرق المنطقة أو البلاد التي تدور فيها تلك اللعبة السياسية .
تبدأ الرواية بـ "صيد" غريب في قلب لندن؛ حيث يعثر البروفيسور سيمون سميث، أستاذ فلسفة الأديان، على مذكرة زرقاء مُلقاة في سلة مهملات محطة مترو، لتنطلق من هذه الوثيقة المُهملة رحلة استكشاف عابرة للقارات والأزمنة.
إن هذه المذكرة هي صوت البطل الحقيقي، "ربيع"، الشاب الذي عاش تفاصيل المرحلة الخانقة في بنغازي الثمانينيات، ليتحول بعد قسوة السجن والبطش السياسي إلى شخصية "أبو الحسام" المؤدلجة، الساعية للعنف في أفغانستان.
وتمضي فصول الرواية في حبكتها، وإطارها السردي من خلال قراءة المذكرة التي تروي قصة حياة بطلها، هذه المذكرة مقسمة إلى رزمات تقوم "السيدة كلير" بقراءتها ومناقشتها مع زوجها سيمون ، وتنتقل فصول الرواية بين الماضي الذي يظهر عبر قراءة الرزمات، بما تحويه من سرد لحكاية وقصة الشاب ربيع في الثمانينيات وبين الحاضر الذى يبدأ منذ عثور الأستاذ الجامعي "سيمون" على المذكرة الزرقاء في بداية عام 1998، في سلة مهملات القطار بمدينة لندن ، وبسلاسة بارعة تنتقل الرواية بين الزمنين فصلا بعد فصل ، في لعبة سردية تنقل القارئ بين زمنين يتقاطعان في أحداثهما وتداعياتهما ويرتبط فيها الإنساني بالسياسي .
بنية السرد لمدينة بنغازي في الثمانينيات
يسرد الكاتب تفاصيل مدينة بنغازي، خلال عقد الثمانينيات وهي الفترة الخانقة التي عاش الشعب الليبي تفاصيلها بمرارة، وفيها ظهرت نتائج سياسة السبعينيات من الإعدامات وسجن الطلاب والمثقفين، والتضييق على القطاع الخاص من خلال الزحف على المصانع والشركات الخاصة، وإغلاق المدارس الخاصة، تحت شعارات الاشتراكية الفوضوية مثل: "البيت لساكنه"، و"شركاء لا أجراء، كما يصور تجييش الروائي عالم المدارس وتحويلها إلى ثكنات، وحالة الحرب التي كانت تدور رحاها في بلد مجاور، والتي كان وقودها كثير من الشباب.
ومن خلال رسم تفاصيل عائلة من الطبقة الوسطى، تتكون من والد ووالدة وأربعة أولاد وبنتين، يعيشون في منطقة الـصابري، يسرد الروائي تفاصيل تلك المرحلة وتأثيرها على أفكار الشباب من خلال صوت الراوي الذي سرد بأسلوب هادئ ورصين صورة تلك المرحلة، لتعيد إلى ذهنية القارئ الذي عاش تلك الفترة تفاصيلها المنسية كما يقول فى هذا المقطع من الرواية :
"الخوف المنتشر في أحشاء المدينة حَوّلها إلى كهف مظلم تسكنه الخيالات، ومقبرة صامتة لا يُسمع فيها سوى صفير الريح. هي بلاد أشبه بصندوق الرمال المغلق، فلا غرابة أن يتحول الوشوشة والتلفُّت إلى جزء من سلوك أهله".
فالبنية السردية للكاتب جاست في مدينة بنغازي، خلال العشرية المخيفة التي عاشتها المدينة، وسردت واقع تفاصيلها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، عبر فصول الرواية، إلى أن يجد بطل الرواية نفسه، مختطَفًا ومُقادًا إلى خارج مدينته في العاصمة داخل زنزانة انفرادية ضيقة، ويصف الروائي زنزانات سجن أبوسليم "كانت زنزانات القاطع متشابهة كالـتوائم، عبارة عن صناديق إسمنتية ضيقة ومُتراصَّة كعلب الكبريت، لها نوافذ صغيرة تقع بمحاذاة السقف، لا يوجد بها دورة مياه وخالية من أي أثاث".
ويسرد الراوي تفاصيل الزنازين في القاطع، التي يأمره الحارس بتنظيفها، والتي تظهر فيها آثار دماء المسجونين الضحايا وبشاعة ما يحدث من تعذيب وقتل للسجناء ويجوس الراوي ببراعة في وصف الحالة النفسية للمسجونين، عند سماع صوت الأحذية الغليظة ومِزلاج أحد أبواب السجن التي تحمل إشارة، باقترابهم لاختيار أحد السجناء للتحقيق والتعذيب ، ويمضي الروائي في رصد عالم السجن الرهيب بعيون ثاقبة، إلى أن يأتي قرار الإفراج والاعتذار للسجين بأن سجنه كان نتيجة خطأ في الأسماء.
صوت الراوي في الرواية
تعتمد الرواية على آليتين سرديتين متداخلتين ،تشيران إلى تعددية في سلطة الراوي حيث يظهر صوت "الراوي العليم "،المتدخل الخارجي و يظهر هذا الصوت في الإطار العام للرواية ، وهو راوٍ يعرف كل شيء عن الماضي والحاضر، ويتمتع بسلطة تحليلية وتفسيرية شاملة ،مثل تحليل الظروف السياسية في الثمانينيات وهذا الراوي لا يكتفي بالسرد؛ بل يُبرر ويُوجّه الحكم ،على تحولات ربيع، خاصة عندما يحاول شرح تكوينه النفسي والفكري، الذي قاده نحو طريق العمل المسلح، يمثل هذا الصوت المنظور الناضج والمُراجع الذي يحاول فهم أصل التطرف بعد وقوعه.
صوت الراوي الثاني وهو الشخصية الرئيسية ربيع/أبو الحسام وهو الصوت الأصيل والمُسجِّل لتفاصيل المذكرات الزرقاء، وهذا الصوت متناقض بطبيعته فهو يسجل الحكاية من موقع التجربة المباشرة من خلال السجن، وهروبه إلى تونس ثم أفغانستان ثم مصر والمحطة الأخيرة بإنجلترا ، حيث يمر عبر كل تلك التنقلات بمراحل تحول أيديولوجي عميقة.
الصراع في الرواية يكمن في التناوب بين "ربيع" الشاب الصبراوى الذي كان عاشق للحياة ومقبل على الحب مع ابنة الجيران ، ومحب للموسيقى ورفقة الأصدقاء وبين "أبو الحسام" الشخصية التي تحول إليها الشاب ربيع، وأصبح يحمل فكر متشدد به صبغة عنف، فالمذكرة في الرواية ليست مجرد تسجيل للوقائع، بل هي أثر لعملية تفكيك ذاتي، حيث يستخدم البطل الكتابة كأداة تتبع خطوات التحول واكتشاف كما يقول "هول وخبث اللعبة السياسية".
يكمن التوتر التفكيكي في الرواية، في محاولة صوت الراوي العليم فرض ترتيب على فوضى تجربة صوت ربيع، ولكن المذكرات تظل كيانًا مستقلًا يفضح زيف الأيديولوجيات ويستعيد الهوية المفقودة.
الانتقال بين الأزمان في الرواية
ينتقل الروائي بين فصول الرواية، بين الأزمان بخفة، ما بين زمن ربيع في الثمانينيات والتسعينيات بين تونس وأفغانستان ومصر، وزمن السيد سيمون الإنجليزي وزوجته، منذ أواخر التسعينيات ويبرع الروائي في هذا الانتقال بحيث لا يشعر القارئ بأن الأحداث ،يتم سلقها بل يقوم بسلاسة بعملية ربط بين الأزمان من خلال شخصيات مختلفة وبلدان متعددة.
يعمد "الراوي العليم " إلى تحليل نفسية شخصية ربيع، وكيفية تحوله من شخص مسالم عادي إلى شخص يفكر في العنف والانتقام، مما يثير حوله الشبهات ويتم اقتياده والتحفظ عليه في سجن بنفس المدينة، حيث يلتقي بشُبَّان يحملون أفكارًا مُؤَدْلَجة دينيًا ويجد في رفقتهم وأحاديثهم الجانب الذي يبحث عنه، ويغوص أكثر في قراءة كتب الفرق الدينية التي تكفِّر الحاكم، وبعد شهور يخرج ربيع من سجن أبو سليم إلى الحرية، بنسخة مختلفة عن شخصيته التي ، كان عليها قبل سجنه ،ويحدث التحول في شخصيته وعقله، وهو يحمل اعتقادًا بأن بلادًا لا تُدار إلا بالقوة ،لن تُواجه بغير القوة ،ويتجه عقله إلى قراءة الكتب الدينية ذات الاتجاه المتشدد ، وإلى التعرف على أفكار التنظيمات الإسلامية المتشددة، التي أضحى، يرى بأنها هي الوحيدة القادرة على مواجهة حاكم البلاد، وبطشه وظلمه، ويأتي حدث الإعدامات العلنية ،التي بُثت من خلال التلفزيون مباشرة في فبراير من عام 1987 كعامل مساعد على التفكير، بشكل متطرف كما يقول في أحد مقاطع الرواية: "إعدامات اليوم لم تقل بشاعة في طريقتها وتوقيت عرضها عما حدث سابقًا في الشهر المقدس، الجديد أن ربيع استقبلها هذه المرة ببصيرة أبو الحسام؛ كان يستعيد الهتافات المفرطة في العنف للتأكد من خلالها بأن خصومه لا يستحقون إلا الموت".
ويجد في رفقة الشبان الذين يرتادون المساجد، الفرصة للنقاش حول المواضيع التي يهجس بها عقله و يتم اعتقاله مرة أخرى ،فيقرر الهرب إلى تونس ومنها إلى باكستان للالتحاق بالمجاهدين في أفغانستان ،ويمضي الراوي في تصوير تفاصيل حياته، في أفغانستان ولقائه مع شخصيات عربية انضمت للجهاديين، وهناك يكتشف بأن كل الدعاية السابقة عن تحرك طوعي للمسلمين من كافة الجنسيات، للمشاركة في محاربة روسيا دفاعًا عن أفغانستان هي كذبة كبيرة، فمن يقود تحركات الجهاديين هي المخابرات الأمريكية والبريطانية مع المخابرات الباكستانية، واكتشف بأنه" لم يكن إلا شابًا غِرًّا، لعبت بعقله الدعاية عن الجهاد والحرب، وتأثر عقله بكتاب "آيات الرحمن في جهاد الأفغان".
يفيض الراوي في رسم تفاصيل ،حياة بطل الرواية "ربيع" الذي غيَّر هيئته وطريقة لباسه التي حَوَّلته إلى مجاهد أفغاني، ليكتشف خيوط اللعبة السياسية عبر المعايشة والقرب، ومعرفة التناحر بين الفصائل التي تحارب عدوًا مشتركًا.
التناوب الدرامي بين الهويتين
التوتر المركزي في "المطر الأحمر"، يكمن في هذا التناوب الدرامي بين الهويتين الشاب العاشق للموسيقى والروايات، والمحارب الغارق في أوهام "اللعبة السياسية" وعليه، لا تعمل المذكرة الزرقاء، كأداة تسجيل للوقائع فحسب، بل كآلية تفكيك حقيقية؛ تكشف زيف الأيديولوجيات وتستعيد الهوية المفقودة.
وخلال هذه الفترة الزمنية التي يقضيها في أفغانستان وبيشاور بباكستان تحدث مراجعات نقدية في عقل بطل الرواية، الذي يكتشف بأنه ليس إلا مجرد تُرْس في آلة ضخمة للحرب التي خططت لها ودعمتها القوى الكبرى، واستخدمت فيها التيارات الإسلامية، التي صنعتها أساسًا لمحاربة روسيا.
يتجلى في هذه الفصول، الصراع النفسي الذي يدور في عقل وروح ربيع، الذي تقمص شخصية أبو الحسام، وصوت الراوي العليم الذي يتدخل كثيرًا في أحداث الرواية، يحاول أن يجد تبريرًا لاتجاه بطل الرواية، لهذا الطريق، ويحاول شرح تكوينه النفسي والفكري الذي قاده نحو طريق المضي إلى عش الدبابير كما يسميه كذلك يعرض صوت الراوي، لِـعثور أبو الحسام على "أوراق بيشاور"، التي تُشير إلى أن أيوب خان متهم بالتعامل مع الأيادي الخفي، ويتطرق الراوى أيضًا لمجموعة كتب تتناول علاقة الولايات المتحدة باستخدام الهيروين والحشيش في معركتها ضد الروس ،كل ذلك يسجله بطل الرواية،"ربيع "أو"أبو الحسام" في مذكراته الزرقاء، ويَلبث بعيون صقر يراقب ما يحدث حوله ويدونه، وفي برهة زمنية فارقة، يشعر "أبو الحسام" باشتياق إلى شخصيته القديمة، الشاب "ربيع "الذي كان يحب الموسيقى والروايات، ويعيش قصة حب مع ابنة الجيران، حيث بدأت شخصيته القديمة تستيقظ من جديد، بعد أن أدرك هول وخبث اللعبة السياسية التي وجد نفسه مجرد تُرْس داخلها،عندما سيطرت طالبان على كابول، حدث تناحر بين الفصائل المختلفة، وأصبح هناك تضييق على المحاربين العرب، وملاحقة للقبض عليهم، فكان عليه أن يقرر الرحيل من جديد، وكانت وجهته الثالثة مصر التي سافر إليها بعد تيقنه بفشل المشروع الذي رسمه من وَحي خيال قراءاته وأفكاره واكتشف زيفه في الواقع.
يصف بطل الرواية القاهرة ومعالمها التاريخية ، خان الخليلي وميدان العتبة والأزهر ومسجد الحسين، وبحث عن عمل فوجده في مطبعة، ثم انتقل للعمل في شركة تمتلك عدة محلات لبيع الحلويات ومطاعم فاخر وتمضي الأحداث ببطل الرواية بين العمل والتعرف على رئيس عمله الذي يكتشف بأنه رجل أعمال ليب، وتعرفه على امرأة يَهفو قلبه إليها، وبعد أن يتعرض لضغوط وللسجن من السلطات المصرية لعدم قدرته على إجراء أوراق الإقامة، ثم سَجْنه، وبعد تجهيز جواز سفره وحصوله على تأشيرة دخوله إلى بريطانيا، ينتقل إلى مرحلة أخرى من حياة بطل الرواية الممتلئة بالعجائب والغرائب، والتي كان اللجوء أحد فصولها ولكنه ليس آخرها وتنتهي الرواية برؤية عنوان، رزماته، كعنوان لرواية منشورة بإحدى مكتبات لندن، ليكتشف كاتب الرزمات بأن الرواية هي مذكرته الزرقاء.
تفكيك السرديات الكبرى
تؤسس الرواية لـوظيفة سردية مُعقّدة؛ فـالمذكرة التي أُلقيت في بداية الرواية في سلة المهملات هي صوت البطل وإطاره الفني/الشكلي الذي اختاره الروائي لـيروي شيئًا من سيرته الذاتية، ويدرك القارئ الذي يعرف شيئًا عن خلفية الكاتب أن الرواية جزء من سيرته الذاتية، إذ عاش بالفعل بعض سنوات حياته في أفغانستان، ثم أجرى مراجعة فكرية لـقناعاته السابقة، وقد عملت الرواية على تفكيك السرديات التي قادت عقله وهو شاب في ربيع عمره إلى التفكير بطريقة متطرفة، نتيجة قراءته لكتب أثّرت عليه.
عملت المذكرة الزرقاء كـآلية تفكيك ، فقد كان كل ما كُتب فيها سرًا مهملًا، ولكنه خرج للعلن عندما وقع بين أيادي قارئة مثقفة حوّلته إلى عمل روائي.
تكمن قوة الرواية في عمق الكشف الذاتي لبطلها، وفي البحث عن الحقيقة عبر الاطلاع والخروج من شرنقة الأفكار المحنطة ، ومراجعة الأفكار والقناعات عن طريق التجربة والقراءة والاطلاع، وفي شجاعة الكاتب لاختيار الكشف عن مرحلة مهمة ومصيرية في حياته، أثرت علي مسار حياته ، وعلى مسار كثير من شباب جيله في ثمانينيات القرن الماضي ، وكتابتها دون إخفائها أو الهرب منها والتكتم عليها ، ومواجهة الذاكرة واستدعائها ، في رواية تكشف خيوط اللعبة الكبرى وتجمع خطوطها بين الواقع والخيال، فالرواية لا تسرد قصة حياتية عادية، بل تُعيد قراءة الذاكرة والخيارات الشخصية ،وتأثير الكتب المتشددة على أفكار من هم في مقتبل عمرهم ، ومعنى الهوية والوطن والتأثيرات السياسية الدولية على العقول عبر لعبة سردية متقنة ممتزجة بين كثير من الواقع والخيال .
0 تعليقات