مزامير التّجاني...نيران الخطيئة وأنوار الخلاص
يبدأ السرد في رواية مزامير التّجاني (الصادرة مطلع 2025، في منشورات رامينا) من قرية "لوزانغي" السنغالية، حيث يعيش حمّو-والد مرزوق بطل الرواية-وسط جفاف يلتهم الأرض والأحلام.
تجعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية تسجيل الولادة أمرًا ثانويًا، وكأن الزمن في تلك الأمكنة يسجل وجود الناس بالصبر والمعاناة أكثر مما يسجله بالورق والختم الرسمي. لا توجد وثيقة تثبت وجود مرزوق (الذي صرخ صرختها الاولى سنة 1999)، فالعائلة المثقلة بالهرب والفقر تتهاون في تسجيله، ويصبح طفلها بلا دفتر رسمي، مجرد حضور كائن حي في العالم، بلا حق في التعليم أو الصحة أو السفر أو أي حق في المواطنة.
اختيار الروائي لهذه الظاهرة الواقعية المنتشرة في المجتمعات الفقيرة لم يكن عبثيًا. فالطفل غير المسجَّل ما يلبث أن يتحول إلى مرآة لغياب الدعم الرسمي والاجتماعي، وإلى أداة سردية تمنح الكاتب حرية بناء شخصية متحررة من القيود. فغياب الوثائق لا يعني فقط غياب الاعتراف القانوني، بل أيضًا تحررًا من الأدوار الاجتماعية التي تفرضها الدولة. بهذه الرؤية، يصبح مرزوق بن حمو اكثر من مجرد كائن هش، بل رمزًا للإنسان الذي يُجبر على البحث عن انتماء روحي ومعنوي خارج الأطر الرسمية.
الزاوية بديل عن الدولة والهوية الرسمية
عندما ينتقل مرزوق إلى الجزائر، يتحول الإهمال العائلي إلى تهوّر مؤسسي، وكأن الكاتب يوجّه رسالة مبطنة إلى من يهمهم الأمر عن البيروقراطية العربية التي تُهمل الأفراد كما تُهمل الملفات في الأرشيف. مرزوق، الطفل الذي لم يُسجَّل في سجلات الدولة، يصبح تجسيدًا للإنسان المهمَّش الذي يُعاد تعريفه عبر النصّ، فيمنح القارئ دورًا جديدًا: أن يملأ هو فراغ الهوية المفقودة، وأن يشارك في صناعة المعنى والغياب معًا.
في غياب كل الحقوق المدنية، يجد مرزوق في الزاوية – بيت الدين والعلم – مأواه الروحي وملاذه الرمزي، حيث يمكنه أخيرًا أن يشعر بالانتماء. الزاوية هنا ليست مجرد مكان ديني، بل مؤسسة بديلة تمنحه هوية معنوية، وحماية، ومعرفة. لكنها أيضًا ساحة صراع داخلي بين الطاعة والتقاليد من جهة، وبين التمرد والاستقلالية من جهة أخرى.
بهذا التحول، يجعل فتيلينه من غياب الوثائق محرّكًا سرديًا عميقًا، يكشف مأزق الهوية في المجتمع، ويجعل القارئ يعيش تجربة الحرمان من الداخل. فالتمرد عند مرزوق لا يولد من العدم، بل من فراغ قانونيّ، ومن نفيٍ رسميّ يضطر الإنسان إلى إعادة اختراع ذاته. الرواية، في نهاية المطاف، لا تحكي فقط عن طفل بلا وثيقة، بل عن إنسان يبحث عن معنى وجوده خارج كل الحدود المرسومة.
العصيان رمز لتحولات الوعي
تبلغ مزامير التّجاني ذروتها الوجودية في اللحظة التي يُقدم فيها مرزوق على قتل دحمان. هذا الفعل، في جوهره، لا يُقرأ كجريمة عادية أو رغبة في الانتقام، بل كفعل رمزي يختصر التمرد على منظومة الخضوع التي كبّلته طويلاً. إنه عصيان ضد سلطة المجتمع والمؤسسة الدينية والاجتماعية التي صادرت حقه في الوجود والاختيار. هنا، يتحقق أول انعتاق حقيقي لمرزوق من القيود التي أحاطت به منذ ميلاده، فيتحوّل القتل إلى فعل تحرّر وجودي، يتجاوز حدود الجسد إلى تخوم الوعي.
الهروب نحو البحر الأبيض المتوسط، الذي يبدو في البداية منفذًا للخلاص، يتحوّل إلى مأساة مزدوجة: فالنجاة من الغرق لا تعني النجاة من الضياع. إذ يجد مرزوق نفسه بلا وثيقة، بلا وطن، وبلا هوية معترف بها، فيصبح غريبًا لا عن وطنه فحسب، بل عن ذاته أيضًا. هنا يتجلى الصراع الداخلي بين القبول بالمصير المفروض وبين البحث عن حريةٍ تصنعها الإرادة الفردية وحدها، لتغدو الكتابة في نهاية المطاف الوسيلة الوحيدة الممكنة للخلاص.
الكتابة وثيقة وجودية بين الطاعة والعصيان
في عالمٍ ينكر وجود مرزوق، تتحوّل الكتابة بالنسبة إلبه وثيقة بديلة عن الختم المفقود، وإلى أداة لإثبات الذات في وجه الغياب الرسمي. كل كلمة يخطّها تمثل شهادة على الحياة، وكل مزمار يُتلى يتحوّل إلى أثرٍ مضاد للنسيان، يوثّق ما غاب عن السجلات. بذلك يقدّم فتيلينه الكتابة كفعل مقاومة، وكاستعادة رمزية للحق في الاعتراف. إن لم تمنحك الدولة وثيقة ميلاد، فامنح نفسك ختم الحبر.
يتجلى هنا موقف الكاتب من شخصية مرزوق بوضوح: فالكتابة ليست ممارسة فنية فحسب، بل فعل سياسي وإنساني في آن واحد. إنها وسيلة لإعادة بناء الهوية الممزقة، وتحويل الغياب الورقي إلى حضور فعلي يشهد عليه النصّ. كل سطر مكتوب هو إعلان مقاومة ضد النفي والإقصاء، وضد مؤسساتٍ فشلت في حفظ إنسانية الإنسان.
يشكّل مرزوق بؤرة سردية تتقاطع فيها الطاعة والعصيان. فالطاعة ترمز إلى الخضوع للنظام الاجتماعي والديني، بينما العصيان يعبّر عن فعل التمرّد والبحث عن الحرية. هذه الثنائية ليست مجرد تضاد قيمي، بل آلية درامية تحرّك النص وتمنحه توتره الداخلي. فالتنازع بين الانقياد والتحرر هو ما يمنح الشخصية عمقها الإنساني ويكشف معاناتها.
الطاعة تُعلّم الصبر لكنها تصادر الحرية، والعصيان يمنح الوعي لكنه يعرّض صاحبه للفناء. ومن هذا التناقض يولد مرزوق كرمز للوعي المقهور في مجتمع مغلق، وكصوتٍ للإنسان العربي المعاصر الذي يتأرجح بين الخضوع والإرادة الحرة، بين سلطة الجماعة ونداء الفرد.
الهوية المفقودة
يفضح فتيلينه من خلال مرزوق مأزق الهوية في مجتمعاتنا، حيث يتحوّل الغياب الإداري إلى نفيٍ رمزي. ويطرح السؤال المتكرر: أين الهوية وأين الخلاص؟! فمرزوق، الذي لم يُسجَّل رسميًا رغم وجود والده، يُصبح "لقيطًا مؤسسيًا"، يطوف بين الأمكنة بحثًا عن اعترافٍ يثبّت وجوده. الوثيقة الغائبة لا تعني فقط فقدان ورقة رسمية، بل ضياع الرابط بين الفرد وحقوقه، بين الإنسان والعالم الذي يحتضنه.
من هنا تكتسب الكتابة بعدها الأنطولوجي في الرواية: فهي ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل آخر ما تبقّى من أدوات الوجود. المزامير تتحوّل إلى سجل رمزي، وإلى طقسٍ يعيد تثبيت الذات في مواجهة النسيان العام. هكذا، يجعل فتيلينه من مرزوق كائنًا يولد من جديد داخل اللغة، ويحوّل الغياب إلى شهادة على الحياة نفسها.
من التمرّد إلى التجلّي
في مزامير التّجاني، لا يتحقق الخلاص عبر الهرب أو الثأر، بل عبر رحلة معقّدة من الاحتراق والتطهّر، من الألم إلى الوعي، ومن التمرّد إلى التجلّي. فمرزوق ليس مجرد بطلٍ تائهٍ في عالمٍ قاسٍ؛ إنه كائن يبحث عن معنى وسط الفوضى، يقف على الحافة بين الجسد والروح، بين خطيئة الإنسان ونداء المطلق. النار التي تلتهمه في البداية ليست سوى الوجه الأول للنور، فالاحتراق هو شرط الولادة الثانية، والوجع هو الطريق الوحيد إلى الكشف.
يحترق مرزوق بنار الغياب، بتجربة الانكسار، وبالتمرد على العالم الذي رفضه. غير أن هذا الاحتراق لا ينتهي إلى العدم، بل يتحوّل إلى نورٍ داخليّ يعيد تشكيل ذاته. الكتابة عنده ليست فعلاً فنّيًا فقط، بل طقس صوفيّ للخلاص، يكتب ليطهّر نفسه من رمادها، ويعيد ترتيب وجوده كما يعيد الصوفي صياغة روحه بعد الفناء. إن الكلمة هنا تتحوّل إلى وسيلة عبور، إلى سلّمٍ بين الأرض والسماء، بين الوعي والسرّ، بين الإنسان وظلّه.
وهكذا يغدو مرزوق في النهاية كائنًا يخرج من ذاته ليراها، ويواجه ظلاله ليضيئها. فالتمرد الأول الذي كان نداءً للرفض يتحوّل إلى نداءٍ للمعرفة، والمعاناة التي كانت جرحًا تصبح نافذةً على النور. إنّ التجاني في روايته لا يقدّم خلاصًا خارجيًا، بل خلاصًا من الداخل، خلاص الإنسان الذي يجد في النار طريقًا إلى النور، وفي الكتابة وسيلةً للتجلّي.
في هذا المسار المزدوج بين العذاب والصفاء، يتحقّق المعنى الأسمى للرواية: أن الكتابة هي الوجه المعاصر للتصوّف، وأن الإنسان لا يولد حقًا إلا حين يمرّ في لهيب الحقيقة ليصل إلى نورها. من التمرّد إلى التجلّي، من الفناء إلى البقاء، يعلن مزامير التّجاني أن الوعي هو الخلاص، وأن النور لا يُرى إلا بعد أن تحرقنا النار.
0 تعليقات