لعل التحدي الأكبر الذي يواجه قارئ رواية "المتاهات" (كما سأسميها) لعبد المجيد سباطة هو ضرورة التركيز الشديد في تفاصيل الرواية، فما إن ينتهي من الفصلين الأولين حتى يجد نفسه إزاء رواية لا تواصل سرد تفاصيل حكاية واحدة، ولاتنتقل بالزمان والمكان لكي توضح تفاصيل وملابسات تلك الحادثة الغامضة التي يتناولها الفصل الأول، ولكنه يكتشف أن "المتاهات" المقصودة ليست خاصة بحياة فريد نوري الأستاذ الجامعي المتهم بالتحرش والذي وجد منتحرًا، وإنما هي متاهات نعيش فيها منذ سنوات في أماكن وشخصيات وبأحداث ومواقف مختلفة، لكنها لاتزال تؤثر علينا باستمرار، بل وربما تكون دافعًا لكل ما يحدث حتى الآن!

أربعة عشر فصلاً فأربعة عشر حكاية مختلفة وتفاصيل مغايرة، تتقاطع بشكل طفيف مع الحكاية الأصلية، وتجعل القارئ مرغمًا على التحليق خارج إطار القصة والحكاية إلى الأفكار والمضمون الذي يحمله كل فصلٍ/قصة في الرواية، وهو الذي يوفره له الكاتب بكل بساطة بتمهيدات مختارة بعناية من محاضرات أستاذ الأدب المقارن "رشيد بناصر" الذي يقدّم كل فصل بقراءة موجزة أو فكرة مختارة بعناية من واحد من كتب الأدب عربيًا وعالميًا، وكل ذلك لكي يدفع القارئ إلى المزيد من إهمال العقل والتفكير فيما يريد أن يقوله من خلال صفحات الرواية التي تتجاوز الخمسمائة صفحة، ولا تفتقر ـ فيما أرى ـ في أي فصلٍ منها ولا أي مرحلة من مراحلها لقدرٍ من الإثارة والتشويق، الذي ربما يكون مقصودًا بشدة لكي تصل تلك الرسائل والأفكار من خلال الرواية والخروج الصعب ولاشك من متاهات الأساتذة فريد ورشيد بل وربما عبد المجيد أيضًا!

ليست المرة الأولى التي يخوض فيها عبد المجيد سباطة تجربة كتابة رواية التشويق الجادة، أو الرواية التي تستخدم الحبكة  الشيقة أوالبوليسية لكي تقدم أفكارًا وقضايا هامة تتعلق بالتاريخ المغربي والعلاقة بين الشرق والغرب وغيرها من الأفكار، فقد فعل ذلك باقتدار في روايتيه السابقتين "الساعة صفر" و"الملف 42" الروايات التي حازت إحداهما على جائزة اتحاد كتاب المغرب ووصلت الثانية إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2021، كما حظيت بالتفات نقدي وقراءة كبيرة، ويبدو أن ذلك الأسلوب أصبح متميزًا به يجتذب إليه عددًا من القراء ومحبي هذه الكتابة الشيقة.

وكما فعل سابقًا من استخدام أساليب كتابيه مختلفة لكسر إيهام القارئ من جهة، وربما كسر حالة الرتابة والملل أثناء التنقل بين الفصول أيضًا، يذهب بساطة إلى استخدام تقنيات مختلفة مثل التقارير والرسائل ومخطوطات مكتوبة بخط مختلف عن خط الرواية العادي، مما يوحي بأنها حقيقية، بل يعتمد على سرديات أخرى في كتابته، كأن يكتب بخط أندلسي في مخطوطة أندلسية (في فصل أسفار الغسّاني السبعة) أو يتخدم تقنية كتابة التقارير بخط الآلة الكاتبة في فصل (أجراس السراب) أو يلجأ للسيناريو فيلم وثائقي يتحدث عن أحد أبطال روايته المناضل "بو غالب الصادقي" (في الفصل المعنون بسيرة بطل) أو حتى حلقات تلفزيونية تتحدث عن هروب الحسناء من بيتها (فصل حكايات تتداعى) وغير ذلك من الفصول الشيقة المنفصلة.

والرواية مع ذلك كله تفتح المجال واسعًا لتعدد التناول والقراءات، فرغم أن العنوان يحيل إلى قصة محددة تخص الأستاذ الجامعي، إلا أن تعدد الحكايات فيما بعد يسمح بانتقال التأويل والقراءة إلى تلك الأفكار المختلفة، منذ الفصل التالي الذي يتحدث عن علاقة حب خاصة تجمع بين لوسيا والمخرج المسرحي ثم المناضل بعد ذلك رامون، وبعد ذلك في أسفار الغساني حيث يبدو أن الأمر يتعلق بمخطوطة منسية تم الاستيلاء عليها وتاهت بين رفوف المكتبات.

ولكن إلى أي شيءٍ تتجه الرواية؟ وما الأفكار المركزية التي تدور حولها تلك المتاهات؟!  يمكننا الاستعانة بمحاضرات الأستاذ رشيد بناصر من أجل الإجابة عن سؤال كهذا، والحقيقة أن استخدام تقديم فصول الرواية بمقاطع من محاضرات أستاذ الأدب المقارن، والتي يعرض فيها قراءة لواحدة من كتب الأدب عربيًا أو عالميًا كانت حليلة شديدة الثراء والجمال في الوقت نفسه، وأضافت للرواية الكثير:

"لا يمكن لقصة حي ابن يقظان لابن طفيل إلا أن تظل حية في زمننا هذا إذ تقدم لنا مثالا فلسفيًا فريدًا حول رؤية الإنسان وفهمه للوجود بعيدًا عن المؤثرات الخارجية، كما ترصد رحلة بطلها من الطفولة الى اكتشاف الحقائق عبر التامل العقلي، هي تتقاطع إذا مع جملة من الأسئله الإنسانيه الكبرى في عصرنا الحالي: البحث عن الهوية، والعلاقه بين العقل والوحي، ومصاعب رحلة المعرفة الذاتية في ظل تسارع وتيره الحياه الحديثة، تسائل عزلة "حي" وصمته الطويل أحيانًا أمام تجليات الطبيعة من حوله، تيه الفرد أمام فوضى المعلومات وهيمنة الصورة، فيما يمثل سعيه إلى اكتشاف ذاته وربطها بمصدر سام للمعرفة هدفًا محوريًا وجوهريا لا يتغير بتغير الزمن “

يمكن للقارئ أن يركز على كلمات مثل "تيه الفرد أمام فوضى المعلومات وهيمنة الصورة" تلك ليدرك إلى أين تسير الرواية بكل حكاياتها/متاهاتها، إذ أن ثم صراع واضح ومحدد في الفصل الأول من الرواية يتشير إلى اعتبار فريد نوري ممثلاً للعلم والحرية مقابل الجمود الذي تعاني منه كلية الآداب تحديدًا، ولكن مسارات الرواية أو متاهاتها تنتقل بالقارئ إلى أفكار أخرى فتسائل معنى "الحرية" نفسه، وما إذا كان النضال السياسي والفكري قرينًا بالتحرر الأخلاقي أم ضابط للسلوك الإنساني بشكل عام، هي أسئلة تتناثر طوال الوقت على طول حكايات الرواية وصفحاتها، حتى يأتي الفصل الحادي عشر  بالكشف عن ماضي فريد نوري وملابسات حكايته وعلاقته بالمخطوط المغربي، ثم يأتي الفصل الأخير بعنوان "الحالة الحرجة ل ع.ج" والذي يعرض مسودة بحث تخرج للطالبة سلمى عفيف، الذي يمثل محاولة لربط خيوط بعض فصول الحكاية ومتاهاتها، بل ويكشف لنا أن الضابط المكلف بالتحقيق في انتحار فريد نوري قد لقي مصرعه لاقترابه من الوصول للحقيقة!

ربما يشعر القارئ في النهاية أن "الحبكة البوليسية" للرواية لم تكن مشوقة بالقدر الكافي، أو أن فكرة المخطوطة واختفائها ورحلة البحث عنها لم تكن بحاجة إلى كل هذا العناء، ولكن الحقيقة أن ذلك الخيط وتلك "التفصيلة"  لم تكن إلا حيلة الكاتب لعرض أكثر من فكرة وقضية تتعلق كلها بمصائرنا في عالم اليوم، كيف نرى الحرية والعدل والأمانة، كيف نتعامل مع الحق وننادي بالتحرر، وكيف تتحكم فينا من جهة أخرى قوى وأنظمة وقوانين لا علاقة لنا بها، وكيف تبقى مسيطرة على واقعنا مؤثرة حتى في الأجيال التالية لنا، وكيف يمكن لتلك القوانين والأنظمة أن تتغيّر لصالح قوى مختلفة، وليس استحضار عدد من الروايات والسرديات العربية والعالمية التي تناقش تلك الأفكار، وتسعى طوال الوقت لتحريك الوعي الجمعي من خلال الحكاية والأدب إلا وسيلة الكاتب الأخيرة أو هي صرخته التي لايملك سواها لكي نعيد التفكير في علاقاتنا بالآخر المسيطر والمهيمن على أفكارنا ونظمنا بل وعلاقاتنا بأنفسنا كذلك، ولنأخذ من رشيد بناصر مثالاً آخر:

( تتجلّى في ملحمة الأوديسة لهوميروس أسمى معاني شجاعة الإنسان وإصراره عنده مواجهة المحن والصعاب، وترمز شخصية أوديسيوس إلى قدرة الفرد على الجمع بين الذكاء الفكري والقوة البدنية ، مع التأكيد على أن التضحية أحيانًا هي السبيل الوحيد لعبور أعتى الرياح والعواصف، قد لانخوض اليوم في لج البحار ذاتها، ولكن رحلتنا المعاصرة لا تقل خطورة وتشعبًا، إذ تواجهنا جملة تحديات وجودية وتقنية واجتماعية، تحتاج منّا جميعًا إلى التخلي عن بعض        رغباتنا الفورية في سبيل تحقيق غاية أكبر. تذكرنا الأوديسة بأن التضحية وإن اختلفت أشكالها ومظاهرها، ستظل محور سعي الإنسان الدائم إلى تحقيق ذاته والوفاء لمُثله العليا.)

ليس الأمر جديدًا إذًا، هو صراع الإنسان/الفرد الدائم ومحاولاته الجادة لتحقيق ذاته بعيدًا عما يواجهه من صعاب وتحديات، سواء كان ذلك الشخص هو أديسيوس أو حي بن يقطان، أو حتى فريد نوري في تجلٍ من تجلياته، أو ربما المحقق والكاتب والقارئ بينهما على السواء!

لاشك في النهاية أن تلك قراءة من قراءات المتاهات، ومجرد محاولة للتوصل إلى واحدة من أفكارها الثرية الكثيرة، والتي تحتاج للمزيد من استعادة القراءة والتأويل في كل مرة، والتي تعد مع ذلك بمتعة مضاعفة.



0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم