الإثنودياليزمية في رواية ابنة ليليت.. منازلة الهويات والثقافات
حين تصحو من طفولتك، وتجد نفسك وجها لوجه في المرآة، بين ذاتين عربية سعودية وهندية، وما إن تغفو قليلا، حتى تنهض على أيام شبابك الأولى في متاهة أخرى، تنازعك فيها هويات أخرى، بين مكسيكية، وعربية لبنانية ومغاربية حسّانية، كلّ هذا في مقلاة المطبخ الأمريكي المستضيف، أعتقد أن الأمر ليس سهلا، ويثير أسئلة عديدة وحادّة على مستوى الذاكرة في الترحال الفيزيقي والتجوال النفسي للهجنة، فالهوية هنا ليست ستاتيكية قارة؛ إنما لوحة تتشكّل فيها صورة الأنا مع نحن (العرب)، ونحن مع هم (الغرب)، إذ تغدو الذاكرة متشبّثة بالمنشأ في المنافي البعيدة، تمارس المحو، بفعل استدعاء النوستالجيا، غاية منها في التماهي مع الآخر، ومحاولة التكيّف مع الوضع الجديد، مما يثير مسألة الثقافات والسلوكيات، داخل البنيات الاجتماعية، في أزمنة ما بعد البترول بالسعودية ودول الخليج، وما نجم عنه من استقدام العمالة الأجنبية والحيف عليها، وموقع الجندر منها في هذه المنازلة الصعبة.
هذا هو حال جواهر، الطبيبة السعودية، القادمة من محافظة (الخُبر) في حاضرة الدّمام، شرق المملكة العربية السعودية، نراها بعد نجاحها في أول دفعة طبية نسائية بالمملكة سنة 1980، بعد أن كان التكوين لهذا الفصيل، يُجرى بمصر والعراق وسوريا، يكتشف المتلقي خليفة والد جواهر سعودي مسنّ ثري، معطوب بأمراض الشيخوخة، وأم هندية شابّة اسمها (باميلا)، تزوّجها والدها بعد وفاة زوجته السعودية الأولى، التي له منها سبعة أولاد، على أية حال هذه الهندية الغريبة، مُسلِمة، مسالمة، بريئة اسماً بالهندية ومعنىً في سجيتها، قضت أكثر من ربع قرن في خدمة زوجها، يمكن أن تقول بلا حرج، إن والدها تزوّجها والصواب زوّجوها له كخادمة، (العلاقة التي جمعت أمي بأبي، لا تتجاوز علاقة السيّد بخادمه.. وربما لولا الموانع الدينية، التي تمنعه من كشف عورته أمام امرأة غريبة، لما قبلها زوجة، واكتفى باستقدامها خادمة. ص15).
تلتحق الدافورة -لقب يطلق في السعودية على الذكية- بمستشفى الدمّام المركزي لاستكمال سنة الامتياز الطبية، خلال انتظار صدور قرار التعيين في الوظيفة، تدهورت حالة الأب خليفة، بعد إصابته بجلطة دماغية، لم يمكث بعدها كثيرا، حتى سار إلى رحمة ربه، لتبدأ مرحلة حرجة من حكاية حياتها، بين بكاء أمها الشديد عليه، وبرودة الفقد عند إخوانها الخمسة، بقيادة مايسترو الحيف، الأخ الأكبر المدعو دعيج، الناطق الرسمي باسم آل خليفة، وصاحب السلطان، مع أختين متزوجتين، لم يكن بينها وبينهما نشاز يذكر.
في غمرة هذه الأحداث العاصفة، تلتحق جواهر بالمستشفى العسكري بالرياض، قسم جراحة القلب والدورة الدموية، الذي تديره وتشرف عليه اختصاصية أمريكية تُدعى إليزابيت من أصول ايرلاندية، تقترب منها جواهر، وتصبح صديقتها الأنتيم، في الوقت الذي راحت فيه جواهر تنشغل بوظيفتها الطبية الجديدة، كان الشيكور دعيج، يحبك إخراج فيلمه السينمائي في تصفية التركة، ومحاولة تقتير حقّ جواهر وأمها الهندية، التي أشهر بطاقته الحمراء لها بالطرد من المملكة، إن لم تقبل بما قسمه لها مولاها دعيج؛ لأن عقد استقدامها بكفالة، انتهى بوفاة المُستقدِم، الأمر الذي حمل جواهر بقبول مسكن الرياض الذي اكتراه لها الظالم، به غرفتان، واحدة لها والأخرى لأمها، الخارجة من بيت الزوجية والعدّة، الذي أشهره صاحبنا للبيع، منسلخا من لبوس الإنسانية مع أخته العذراء وزوجة والده المسكينة.
في الحي السكني بالرياض، تتعرّف جواهر على سعاد الجارة اللّبنانية، التي أفرغت لها بعضا من فورة قدرها الساخن، لتخبرها سعاد، أن زوجها حصل له نفس المشكل مع إخوانه، بعد مدّة أقلّ من العام بقليل، يكون دعيج قد جهّز تصفية التركة من منقولات وعقارات، ليطلب من جواهر إمضاء وثيقة الاستلام لحصتها وحصة أمها، المقدّرة بعشرة ملايين ريال، ستة لأمها، وأربعة لها، وهو مبلغ زهيد وحقير، مقارنة بما تركه الحاج خليفة الثري، صاحب الشركات المتعدّدة، منها التي يديرها أبناؤه، صالح في التغذية العامة، وحسن المسؤول عن المقاولات، وإبراهيم الذي اختصّ بالأجهزة الكهربائية، وعبد الرزاق في المواد البلاستيكية، فيما سيطر على العقارات والعمارات والإدارات والحسابات البنكية شيكور العائلة دعيج، مع ما يملكه الأب من فيلا فسيحة في البحرين وأشياء كثيرة، يكفي لفظ الثراء في ذكرها وانتهى الكلام، أخيرا تقتنع جواهر بإرسال أمها باميلا للهند، ولا خوف عليها من الفقر هناك، فالمبلغ الذي معها يكفيها وزيادة، وكم كانت حزينة لفراقها عند بوابة الجوازات، مخافة أن تكون النظرة الأخيرة.
على أية حال تقوم جواهر من خيباتها وانكساراتها، بفضل مساعدة الأنتيم إليزابيت، التي ساعدتها في الانتساب لكلية ألبرت أينشتاين للطب بنيويورك، تسافر جواهر من الرياض بعد الحصول على التأشيرة من السفارة الأمريكية بالمملكة، بعد أن سلّمت شقّة الرياض لأبي سليمان المالك، مع ترك الأثاث هدية له، على حسن المعاملة معها ومع أمها، ومن ثمّة الانتساب لقسم الدراسات العليا المتخصصة في جراحة القلب بالكلية المذكورة، وقد ساعدها الحظ أن سلّمتها إليزابيت مفتاح شقتها بنيويورك، لغاية حصولها على مسكن لائق.
صحيح أنها حقّقت في أمريكا مبتغاها وأحلامها، وهو شغف البحث والارتقاء في منازل جراحة القلب، حتى غدت من العشرة (التوب) في أمريكا والعالم، واكتسبت الجنسية الأمريكية من موقعها المتعالي كباحثة وطبيبة ماهرة، لتصبح بهذا صاحبة هوية أخرى (فرجيت دافور أو اختصارا جي جي)، كأن لفظ الدافورة الذي أطلقه عليها أندادها زمن الدراسة بالسعودية، لا يزال يصاحبها في اسمها اللّغز.
تطوّح بها الأيام بين نيويورك ولوس أنجليس، حدث خلال ذلك، أن تعرضت لأمر طريف، عندما دسّ لها الماكر (جو) فني الأشعة بالمستشفى الذي تشتغل فيه، وأخلط لها الماكر مخدّرا بأحد الأشربة الملونة في حفلة مهنية، فوجدت نفسها دائخة، ليوصلها بسيارتها لبيتها ويغتصبها على سريرها، تبدو هذه الحادثة، هي من جعلها تتنازل للزواج مع المكسيكي السكير (كاستيلو)، الذي تعرّفت عليه صدفة خلال تطبيبها لأخته (سيلينا)، حتى تنجو وتتجاوز عقدة فقد عذريتها، مقابل حصوله على الجنسية الأمريكية بعد زواجه بها.
كيف نفسّر قبول أفضل طبيبة جراحة للقلب في أمريكا والعالم، بزوج مدمن، يعيش عطالة مهنية واجتماعية، أقصى ما يحلم به، الحصول على الكارت الأخضر للجنسية الأمريكية؟
ينتج عن هذا الزواج الغريب فتاة شقيّة بهذا الوضع، اسمها (ميلا كاستيلو)، تفتح عينها على (ماما روزا)، الأم غير البيولوجية لها، إنما جدتها لأبيها، فقد حصل الطلاق بين والدها ووالدتها بالتراضي، عندما قضى المكسيكي مرغوبه من التجنّس، فأقدم على هدم أحد بنود شرط الزواج، وهو عدم معاقرة الخمر في البيت، وأذية قطّتها المدلّلة، التي تعمّد ضربها، وبذلك انفرط العقد وانحلّ الزواج ضمنيا، فتراضيا على أن تتنازل عن كفالتها لجدّتها لأبيها، وتدفع مبلغا شهريا لابنتها بواسطة محام محلّف، المحزن في أمر هذه البنت، أنها بلغت الثانية والعشرين من عمرها، وتخرّجت من كلية علوم البحار ولم تر أمها، كل الذي تعرفه عنها، أنها من أصول شرق أوسطية، اسمها جورجيت دافور تقيم بإحدى مدن أمريكا وكفى.
بعد هذه الأمواج العاتية التي هزّت كيانها، تنخرط د.جواهر في العمل التطوعي، لتذهب إلى موريتانيا، في إحدى الإرساليات الطبية إلى هناك، فتكتشف ذاتها العربية بالمجتمع الحسّاني الموريتاني، ومع عودتها من موريتانيا، تكون قد بلغت ذروة لمعانها العلمي التخصصي في جراحة القلب، فيتصيّدها الحزب الجمهوري، طامعا في شعبيتها وسمعتها، وتخوض الانتخابات مترشحة للكونغرس الأمريكي، لتجد نفسها وجبة دسمة للصحافة الصفراء وعدسات القنوات العالمية، بعد مؤامرة الحزب الديمقراطي في طبخ فضيحتها، عندما اكتشفت الشرطة بفعل دال، شغيلة هندوراسية عندها بالبيت دون تصريح قانوني بالإقامة، كانت إحدى قريباتها أنابتها في مكانها لسفر طارئ عنّ لها ببلدها، في غمرة هذه الأحداث، لم تجد حلاّ غير الاستقالة من الحزب، والتنازل عن الترشيح، ليترك هذا الحدث ندوبا غائرة بنفسها، زاده قرنفلا وبهارا، تحفّظ الشركة التي كانت ستموّل مشروع صمامات القلب من أعناق الزرافات، مع مناهضة جمعيات الرفق بالحيوان في ردّ مخترعها، لقلّة فصيل هذا الحيوان النادر وانقراضه، وبالتالي خسارتها في هذا المشروع، الذي طالما علّقت عليه آمالا طويلة وعريضة.
يمكن اعتبار هذا الحدث الأخير، هو الجحيم الأكبر، مما أدخلها في حالة اكتئاب شديدة ومعقّدة، كان الحاج متولي المصري صاحب مطعم الأهرامات، الوحيد الذي كان في تواصل معها في حالاتها العادية، ووجدته إلى جوارها في محنتها مع ابنته فاطمة، خلال هذه الفترة من حياتها بأمريكا، تتلقى عرضا من دولتها الأصلية، كانت قد حيّنت أعناق الإبل كبديل لأعناق الزرافات، بحكم أن الجِمال ثروة حيوانية موجودة بالمملكة.
المصدر: صحيفة الجزيرة
0 تعليقات