"زعفرانة".. سردية تاريخ ظفار المجهول
تولد الروايات من جديد مع كل قارئ يفتحها ويبدأ عالمها، هذه المرة تعيد الكاتبة القطرية هدى النعيمي فتح رواية "وردة" للكاتب المصري الكبير صنع الله إبراهيم، فتجلب شخصية "يعرب" وأخته "شهلا" من روايته، وتمحو عنهما النسيان، وتمنحهما حياة متخيلة وتفاصيل جديدة، لتكتب عنهما روايتها «زعفرانة»، وتصنع لهما حياة من وحي خيالها تروي شغفها بأبطال لم تفلتهما من ذاكرتها.
في روايتها «زعفرانة»، تختار د. هدى النعيمي "يعرب" وأخته "شهلا"، الثائرين في ثورة ظفار في تاريخ سلطنة عمان، وتعيد كتابة تاريخ حياتهما على طريقتها، تسجل عبر سيرتهما محطات خافتة في التاريخ العربي، كما تعكس رحلة تحرر المرأة العربية، ونمو المجتمعات من قرى صغيرة على البحر إلى عواصم كبرى.
***
تستعمل رواية «زعفرانة» أصوات أنثوية خليجية متعددة، فتروى كل فصل امرأة من جيل وزمن مختلف، مثل مريم الجدة، وزعفرانة الفتاة التي تمردت على قريتها، وزعفرانة الشابة المعاصرة المسماة تبعًا لزعفرانة الأولى. تتعدد الأجيال النسائية التي تخبر عن نفسها، لتكون النساء مرآة تعكس تطور المجتمع.
تكشف الرواية الميراث التقليدي، الذي يُعد المرأة كأنثى للزواج عبر صفحات أولى تدور حول نساء مجتمع "الذخيرة"، وهي قرية على بحر قطر، حيث تنتظر البنت زوجًا لا تعرفه ليتم زفافها إليه مبكرًا، إلى أن تتمرد واحدة منهن أو تختار طريقًا غيرهن، وهي زعفرانة، التي تلعب دور الأم، مصدر التمرد والثورة الأول لأبنائها شهلا ويعرب، وهما الشخصيات المستوحاة من رواية صنع الله إبراهيم. فيبدأ تحررهن من قيودهن جيلًا وراء آخر ونعاين تطور المجتمع ورحلة المرأة.
يظهر الأثر الأنثوى في بنية السرد أيضًا، فتشغل النعيمي الحكاية بطريقة الحياكة، كما لو أنها تلضم الفقرات في بعضها البعض. وتبني حبكتها على هيئة دائرة تسعى البطلات لإكمالها، فتبحث كل امرأة عن امرأة تسبقها، لتقوم الروائية بتمرير الرسالة عبرهن حتى تكتمل الحلقة بمعرفة زعفرانة المعاصرة بزعفرانة الأولى، فلا يضيع ميراث النساء، ويبقى ذلك التاريخ عبرهن.
تشترك رحلة النساء التي قطعنها جيلًا وراء آخر، فتكرر المؤلفة وصف الصخور وهي تجرح أقدام النساء، وهن يواصلن السير: "عدت أدراجي بالقفز على الصخور الحادة، والمؤلمة، وقطرات الدم المنسكب من القدم المجروح"، "لم أبال، مشيت فوق الصخور الحارة حافية".
المكان
تنتشر سلالة البطلة زعفرانة في العراق زنجبار ومصر، دون أن نعرف أي زعفرانة منهن هي الحفيدة الحقيقية، فزعفرانة الكبرى هي المرأة مخزن الأسرار الأكبر الذي استُنسخ في كل مكان بقوة روحانية تمتلكها وهي الأثر الذي بقى في كل مكان، لينمو عدد من النساء اللاتي يحملن اسم زعفرانة على مر السنوات، في إشارة إلى نمو أثر المرأة والحرية.
يظهر الصوت الذكوري في فصلين أخيرين لرجلين يرويان جانبًا آخر من الحكاية، كي يربطا العقدة الأخيرة في حكايات زعفرانة وأبنائها، كما لو أن الرجل هو الشريك المُكمل للحكاية.
تمثل «زعفرانة» رحلة خليجية تقطعها الرواية من الذخيرة، تلك القرية على بحر قطر، ثم تنطلق إلى بلدان عربية أخرى، إلى الدوحة ثم عُمان، والعودة بشكل عكسي للبحث في سيرة تلك الأماكن.
دلالة الاسم
سنجد زعفرانة في كل مدينة، وفي دلالة الاسم عبق الخليج وبهاره وسيرته. والاسم هو الوحدة التي تجمع عددًا من النساء يحملنه، فيوحدهن عبر الزمن لأنه ليس مجرد اسم عابر، إنما اسم نادر، والنساء المسميات به يربطهن خيط يعبر الزمن. فنجد حتى امرأة أجنبية تحمله، و"تكتب حروف اسمها الأجنبية بطريقة إملائية تختلف عن طريقتي في كتابة اسمي".
تختار المؤلفة أن يكون الاسم نكرة «زعفرانة»، لأن في كل مجتمع كبير واحدة تتمرد عليه، لا يهم أن نحددها، فهي مجرد زعفرانة في مجتمع كبير يقاومها بينما هي وحدها تتمرد عليه. يوحي التنكير أيضًا بأنها نكرة ضعيفة في مواجهة موروث ضخم يصعب تحديه.
تبقى زعفرانة امرأة الرواية المجهولة، وهي التجسيد لفكرة المكان والزمان والتاريخ المجهول.. فتاريخ ظفار المجهول يتجسد كفكرة عبر شخصها المجهول أيضًا. والبحث في اختفاء وظهور زعفرانة هو محاولة لكشف ذلك التاريخ المجهول، لأن تلك الثورة: "موضوع… يخشى الأساتذة… الاقتراب منه… حول تاريخ ظفار الحديث".
الواقع والسرد
اختارت الكاتبة د.هدى النعيمي غلق باب التكهنات المثيرة، فنفت في مقدمتها أي تشابه بين أسطورة زعفرانة وبين أي قصة حقيقية، لتنفي السؤال الذي يراود القارئ بإثارة عن احتمالية وجود تلك الشخصيات الحقيقية، وهو ما كان سيضفي تشويقًا أكثر، لكن الكاتبة اختارت تقديم إجابة تنهي هذا التشويق.
قفزت الرواية فوق التفاصيل التاريخية لثورة ظفار، مكتفية برواية خطوط عامة عن ثوار وطائرات تدك القرى من أعلى. وعوّلت أكثر على التاريخ المتخيل الإنساني، صانعة سيرة سردية لمحطة مجهولة في تاريخ ثوار الجبل، تركز على التاريخ الإنساني للشخصيات، وقصص الحياة التي تصنع المتمردين، فمزجت الخيال بالقليل من المعلومات التاريخية، متخلصة من الواقعي، ومحلقة أكثر تجاه المتخيل.
جاء العمل في عدد صفحات كبير كان من الممكن اختصاره. وتأرجحت البطلة بين كونها متصوفة أو على صلة بعالم غريب وأجواء من السحر، دون توضيح من النص. كما تم الإشارة إلى كتاب سري هو كتاب «الغزال»، بوصفه كتاب يساعد قارئه على التواصل مع روح الكون. وهو يبدو وصفًا غير ملائم، فمفردة روح الكون هي مفردة معاصرة تنتمي لعلم الطاقة، لا يلائم وصف كتاب قديم، خاصة مع الإشارات إلى أنه كتاب ذِكر يبتهل به قارئه ليحقق ما يشبه المعجزات.
بحثت الشخصيات عن ميلاد جديد في نهاية الرواية وقاموا بالتنكر، ربما لا مبرر قوي للشخصيات يدفعها لذلك، خاصة مع صدور العفو عن ثوار ظفار، وعدم حاجتهم للتخفي، لكن تبقى فكرة تنكر الشخصيات كإشارة إلى بدء مرحلة جديدة، تعيشها الشخصيات، في ظل ميراث عربي لا يغفر أو ينسى.
«زعفرانة» هي رواية عن تاريخ المرأة وعن إحدى المناطق المجهولة في تاريخ الخليج، فاسم زعفرانة النكرة هو إشارة لكل مجهول في محطات التاريخ ولا نزال بحاجة للبحث عنه. يُذكر أن الرواية فازت بجائزة كتارا لأفضل رواية قطرية لعام ٢٠٢٥.
0 تعليقات