يطلّ علينا الروائي محمد فتيلينة  في روايته "مزامير التجانيّ" المضمّخة بالتيه والاغتراب ،في عالم لا يعترف بمن لا يحمل وثيقة هوية. رواية يعزّي فيها القارئ بسؤال وجودي: ما معنى الولادة إن كانت خارج الاعتراف؟ وما الذي يبقى من الإنسان حين يُسلب منه اسمه، وطنه، وصوته؟.

 تدور أحداث الرواية حول عائلة مرزوق التي اضطُرت إلى الهروب من السنغال بعد أن وُجّهت للأب تُهمة اغتيال  كادت تودي بحياته، غير أن شيخ الزاوية تدخل في الوقت المناسب، وتوسّط لدى السلطات مشترطًا على العائلة الرحيل معه إلى الجزائر لخدمة الزاوية مقابل العفو عن الأب.

في الجزائر.. وُلد مرزوق وعاش طفولة بلا هوية، لا يملك وثائق تثبت انتماءه لأي وطن ممّا جعله يعيش على هامش المجتمع، مرتبطًا بالزاوية أكثر من ارتباطه بأي كيان رسمي.

كبر مرزوق في كنف الزاوية، حتى جاء اليوم الذي رأى فيه دحمان وهو ابن أخ  شيخ الزاوية في وضع مشين مع شقيقته، لم يحتمل الصدمة وقد سيطر عليه الغضب، فاندفع بلا وعي وقتل دحمان، لم يكن يدري ما يفعل بعدها سوى الهروب، الذي كان خياره الوحيد، فكانت وجهته البحر... المنفذ الأخير نحو الخلاص.

ركب مرزوق قارب الهجرة نحو إسبانيا ضمن مجموعة من الحالمين بالعبور، لكن خفر السلطات الإسباني اعترضهم  تم ترحيل الجميع إلا مرزوق، الذي لم يكن يملك أوراقًا تثبت هويته أو بلده الأصلي، فظلّ عالقًا في الغربة.

في منفاه الإجباري، وبين شوارع الغربة الباردة، أصابه المرض والوحدة، حتى رأى في منامه شيخ الزاوية يناديه للعودة، فكان النداء بمثابة خلاص روحي، قرّر العودة هذه المرة عبر نفس البحر الذي فرّ منه، لكن البحر لم يكن كما تركه، وأثناء رحلة العودة، سقطت طائرة أمريكية قرب الساحل، وسقط أحد الجنود في القارب الذي يقل مرزوق، فسارعت فرق الإنقاذ  وأنقذت الجندي، ولم تميّز بينه وبين من كانوا معه، وهكذا وجد مرزوق نفسه مرحلًا مع الجندي الأمريكي إلى الولايات المتحدة، وقد ازداد اغترابه بعدما تلاشى أمله في العودة.

 انتهى به المطاف غريبًا مرتين: مرة عن وطن لم يعرفه، ومرة عن مصير لم يختره، وهكذا فقد ظلّ  مرزوق معلقًا بين الأمكنة، بلا اسم، بلا أوراق، بلا انتماء... فقط ظلّه يرافقه.

القارئ لهذه الرواية، يجد نفسه منخرطا في البحث عن إجابة تثير  أسئلة  المصير وهشاشة الحياة، حيث  تتقاطع  مظاهر الطمأنينة والقمع في سلوكات يتوارثها المجتمع، الذي يحيط به..  قلق وجودي عميق يشير بأنّ الإنسان لا يسكن العالم بطمأنينة، بل يظلّ مشرّدًا في ثناياه تتجلّى فيه كينونة الإنسان الممزّقة بين ثقل الواقع وأفق المعنى.

هذه الرواية تمثل وثيقة اعتراف لمأساة الإنسان في وجوده الناقص، المهدّد دومًا بالفناء والانكسار، قلق يُذكّر بأنّ الإنسان ليس مقيمًا في الأرض باطمئنان، بل كائن منفيّ يبحث في العتمة عن معنى يعيد إليه جذور الانتماء.

 تبلغ الرواية ذروتها، حين يرحل البطل نحو البحر أمام قدر محتوم ليس للهجرة فحسب، ولكنه يرمز للتطهير، فتعيد إلينا مقامات التجربة الصوفية، حيث يمتزج الألم بالرجاء، والفناء بالبحث عن معنى، والاغتراب بالحنين إلى أصلٍ مفقود.

نص الرواية يتحرك بين الواقع والمتخيّل، بين السيرة الفردية والأنشودة الكونية فهي تسرد لنا سيرة الحائر المنسي في زمن التيه، وكأنّ الروائي هنا يعيد طرح سؤال الكينونة الذي قدّمه الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر في مسألة " الوجود في العالم "هذا الكائن الذي وصفه هيدغر بأنه غير مكتمل يعيش في فضاء الغربة، كائن قلق يطارده شبح الفناء، ووجوده في العالم يجبره على مواجهة محدوديته وعلى التطلّع في الوقت نفسه نحو المطلق، أما المزامير فهي ليست أداة للتواصل أو التعبير عن الأفكار بل هي بيت الكينونة حيث تصبح اللغة" بيت الوجود"  كما قال هيدغر، المجال الذي تسكن فيه الحقيقة ويظهر فيه الوجود، هي صوت يتردد في العتمة بحثًا عن ضوء، ويحوّل الغربة من حالة ضعف إلى شرط للوعي بالحقيقة

بهذا المعنى تصبح رواية مزامير التجاني تجربة وجودية ونشيد صوفي يكتب الغربة ويكشف هشاشة الوجود، تنفتح على القارئ وتُعيد طرح السؤال الفلسفي :بأي معنى يمكن فهم الوجود في ظلّ نسيان الكينونة؟ 

تتخذ الرواية من كل هذه العناصر: اللغة، الشخصيات، الفضاءات .. وسيلة لبناء نشيد أنطولوجي متكامل، تحاول كشف الواقع وجوهره المستتر، وأنّ الإنسان في هذا العالم  وجوده مهدّد بالاغتراب

إنّ  رواية "مزامير التجاني " للروائي محمد فتيلينه ليست مجرد سرد حكاية لهجرة غير شرعية، بل رحلة وجودية شائكة عن الهوية، والانتماء، والتيه الإنساني..!!

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم