أسئلة رواية «مزامير التّجاني»: بحث في المعنى والهوية والمصير
كلُّ رواية حقيقية هي، في جوهرها، سؤالٌ مفتوح، لحظة قلق إبداعيّ تنبثق منها الأسئلة قبل أن تتكوّن الإجابات؛ فالرواية الجيدة تُمتع القارئ وتُدهشه، ولكنها قبل ذلك تُقلقه، تُزعزع يقينياته، وتدفعه إلى إعادة النظر في المسلّمات التي درج عليها. إننا لا نقرأ الروايات بحثا عن الحقائق الثابتة، والإجابات الجاهزة، بل نقرأها لأنّها تفتح أمامنا أبواب الشكّ، وتضيء لنا مناطق مظلمة في النفس والمجتمع والتاريخ.
من هنا، فإنّ كل رواية – بعد استيفاء شروطها الفنية – مرهونة بأسئلتها؛ بما تثيره من تساؤلات صريحة أو خفية، وما توقده من مراجعات فكرية ووجدانية لدى القارئ، وما تخلقه من مساحات تأمل في المعنى والعدالة والحريّة، والحب والموت والإنسان. وقد تكون هذه الأسئلة واضحة، أو مضمرة في النسيج العميق للنص، لكنها تظلّ المحرّك الحقيقي لكل تجربة سردية ذات قيم، ولذا فإنَّ كل رواية حقيقية بداية لحوار داخلي يتجدّد مع كل قراءة، ومع كل قارئ.
حكاية الرواية
تحفر رواية «مزامير التّجاني» للروائي الجزائري محمد فتيلينه في طبقات الهوية والذاكرة والقدر، من خلال سرد متعدد المستويات والأصوات، يجمع بين الحكاية الصوفية والواقعية النقدية، وينتقل بين الجنوب (السنغال)، والشمال (الجزائر)، والعالم (أمريكا، إسبانيا، البحر الأبيض المتوسط).
تتوزع الرواية على خمسة أجزاء تحمل عناوين رمزية: «مرزوق بن حمّو، العتمة والنور، الزبد والبحر، الليل والنهار، عود على بدء». وتتداخل فيها ثلاث حكايات كبرى: «حكاية مرزوق، الفتى الذي نشأ في زاوية صوفية، ويحمل في داخله أسئلة وجودية لا تهدأ. وحكاية حمّو وفطيمة؛ زوجان سنغاليان حملا عبء الماضي والرحيل القسري من الجنوب إلى الزاوية. وحكاية الجنرال الأمريكي، الذي يقابل شابا غامضا على متن قارب نجاة، ليبدأ تقاطع السرد بين الجنوب والعالم».
تسرد الرواية مسيرة مرزوق بن حمّو، الفتى السنغالي الذي نشأ في زاوية صوفية شمالية بعد هجرة والديه من الجنوب تحت وطأة جريمة غامضة، ليعيش بين الطقوس والتراتيب الروحية، أسير هوية غامضة وأسئلة وجودية ملحّة عن الأصل والمصير والعدالة. تتفاقم التوترات في الزاوية مع صراع النفوذ والبراءة، وتجسد الشخصيات المختلفة مثل: دحمان وفطيمة وعيشة وحمّو أبعادا أخلاقية ودينية واجتماعية متشابكة. في النهاية، يضطر مرزوق إلى مغادرة الزاوية إلى المدينة، حاملا حقيبة أمه كتعويذة للبركة والحماية، في رحلة مفتوحة على المعنى والحرية والمصير، حيث تتقاطع حكايته مع قصة جنرال أمريكي ينقذه من وسط البحر في لحظة رمزية ذات دلالات وأبعاد بلا حدود.
أسئلة الرواية
تُعدّ «مزامير التّجاني»، وهي الرواية التاسعة لمحمد فتيلينه، نموذجا روائيا تتسرب الأسئلة فيه من شقوق السرد بوفرة وعمق. لا تُبنى الرواية على يقين أو إجابات، بل تنمو من قلب الحيرة، وتقتات على الشك، وتُقيم في منطقة رمادية تتقاطع فيها الأقدار بالمصائر، والماضي بالحاضر، والقداسة بالخطيئة. وثمة أسئلة عديدة تشكل عمق الرواية وتمنحها بعدها الفلسفي والوجودي، ومنها:
سؤال الهوية في مواجهة الزيف (من نحن؟): تطرح الرواية سؤال الهوية بشكل مباشر وغير مباشر، عبر شخصية مرزوق بن حمّو الذي يبدو ضائعا بين ما يُطلب منه أن يكونه، وما يشعر أنه عليه أن يكون؛ إذ أنّ الزاوية والشيخ والطقوس وتقاليد «عين السعدية»، كلها تشكل بيئة تُعيد تشكيل الإنسان وفق قوالب جاهزة، في حين يبحث مرزوق عن معنى شخصي وأصيل لذاته، بعيدا عن قوالب الآخرين. تتكثف هذه الحيرة في مشاهد المواجهة مع حمّو ومع الشيخ سيدي عبد الله، وحين يُطرح عليه سؤال: «أيُّ شيخٍ؟» يبدو أنّه لا يملك حتى حق الإجابة الواثقة.
وفي حوارية مع الطبيب المغربي البكراوي على متن حاملة الطائرات ترومان، يقول البكراوي: «في بلادنا، كلُ واحد منا يُمسكُ بعصا مولاه. نحن خدمُ كبارنا يا مرزوق!». فيسأله مرزوق: «فأيّ شيخ كان سيدك؟ ما الذي تعلّمته؟». فيجيب البكراوي: «الكثير يا مرزوق، إلاّ أنّ ما تعلّمته في الزاوية لا يُقارن بدروس الحياة».
سؤال التباس السرد والواقع (ما الحقيقة؟): تمارس الرواية لعبة المرايا، إذ تختلط الأصوات، ويتقاطع الواقع مع الحلم، وتبقى الحقيقة عصيّة. تتكرر الأسئلة على لسان عدة شخصيات: هل نحن أحرار أم مسيّرون؟ هل ما نفعله نابع من اختيار أم قدر مكتوب؟ كما في قول مرزوق: «هل هو المكتوب الذي أخبرني به سيدي عبد الله؟ الطريق المرسوم لنا قبل أن نولد؟ أم أننا في اختبار في دنيانا أم ماذا؟». هذه الأسئلة تُحيل القارئ إلى حالة من التيه لا تقل عن تيه مرزوق نفسه، الذي وجد نفسه مضطرا لمغادرة «عين السعدية» على عجل، ومن ثم جرفه تيار لا يُقاوم إلى وهران ومن ثم إلى إسبانيا عبر قارب للهجرة غير الشرعية، والمفارقة الغريبة؛ أنّ كل رفاق مرزوق في رحلة الهجرة تخلفوا لسبب أو لآخر، وكانت من نصيبه وحده مع أنّه لم يفكر فيها، ولم يخطط لها، ولم تخطر له على بال من قبل.
سؤال الخطيئة والعقاب (لماذا نعاني؟): تتكرر فكرة العقاب، سواء على هيئة نيران تنتظر العاصين، أو على شكل تجارب قاسية في الحياة كالفقد والتهجير والانكسارات. تحاول شخصيات الرواية تفسير المعاناة: هل هي جزاء لفعل ما؟ أم ابتلاء؟ أم عبث محض؟ يظهر ذلك بوضوح في حديث الشخصيات عن القدر والخطايا، كما في الحوار الذي يقول فيه مرزوق: «إنها نار مستعرة معبرة -لا شك – عن الخطيئة. هي عقاب الله لنا لما اقترفت أيادينا. هي نفسها النيران التي تنتظر العصاة يوم القيامة!».
سؤال العدالة والفساد (مَنْ المسؤول؟): تُسائل الرواية الأنظمة السياسية والاجتماعية والدينية؛ حيث تظهر شخصيات تتحدث عن «الأسياد» الذين ساهموا في تعاسة الناس، وعن تجار البشر، وعن تواطؤ الصمت في الزوايا والمؤسسات، تقول إحدى الشخصيات: «شيوخكم يـَمنعون عنكم باسم الدين حتى التلفظ باسم «البار»، بينما يتحالفون مع مُلّاكه، ويسهرون مع روّاده من الأسياد والنبلاء». تطرح الرواية سؤالا أخلاقيا: مَنْ المسؤول عن كل هذا الخراب؟ ولا تمنح إجابة، بل تعيد طرح السؤال من جديد مرّات عديدة.
سؤال الأمل والخلاص (هل يمكننا النجاة؟): وسط كل ذلك العتم والتيه، تمدُّ الرواية خيط أمل باهت، يظهر في تعلق مرزوق بصورة فطيمة وحقيبتها، أو في لمحات الحقول الإسبانية، أو في النجاة وسط البحر المضطرب. لكن يبقى هذا الأمل هشا، وغير مضمون. وكأنَّ الرواية تقول: النجاة ممكنة، لكن لمن؟ وكيف؟
العنوان ودلالته
عنوان الرواية «مزامير التّجاني» يثير التساؤل، وخاصة كلمة «مزامير» ذات الدلالة الإنشادية والوجدانية والتأملية والتعبدية، ولذا فإنّ عنوان الرواية يُلمح إلى أنّ الرواية سرد ونصوص تأملية تنبع من تجربة إنسانية متألمة في حضن صوفي متأزّم، وهو عنوان يوحي بأنّ ما سنقرأه أقرب إلى الاعترافات، أو الأدعية، أو التوسلات، أو المراجعات، كما تُقال من أعماق شخصيات أنهكها القهر، ودفعتها الحياة للسؤال، بعيدا عن «الزاوية التّجانية» وأعرافها واشتراطاتها.
إنّ قرار مرزوق مغادرة «الزاوية» و«عين السعدية» -أيا كانت أسبابه- يشكّل ذروة التحوّل الداخلي، وخلاصا من الانتماء القسري إلى نظام روحي واجتماعي لم يعد يجيب عن أسئلته الوجودية. فحين يخرج مرزوق حاملا «حقيبة فطيمة» وذاكرة ممتلئة بالقلق والندوب، فإنّه في الحقيقة يُدوّن أو ينشد «مزموره» الخاص؛ نغمة الحائر الذي لم يجد ضالّته في يقين الجماعة، فاختار أن يصنع يقينه خارج «الزاوية»، خارج «الطريقة». عندها يتضح معنى العنوان؛ فـ«مزامير التّجاني» أناشيد قلق تُكتب على هامش الطريقة، على أيدي المهمشين، الممنوعين من النطق، الخارجين على النصّ. فتصبح الرواية كلها كتاب مزامير جديد، يخطه الفتى الذي تعلّم أخيرا أن يسأل، وأن يسير.
وبعد؛ فإنَّ «مزامير التّجاني» للروائي الجزائري محمد فتيلينه، الصادرة حديثا في لندن عن منشورات رامينا، رواية تأتي كمرآة للأسئلة الكبرى؛ أسئلة وجودية وفكرية وأخلاقية. وهي بذلك تُقحم القارئ في قلب التجربة، فلا يخرج منها كما دخل؛ إذ أنّ الأسئلة التي تطرحها الرواية هي أسئلتنا جميعا، لكنها تُطرح في سياقات محلية/عالمية، دينية/دنيوية، خاصة/عامة، ما يمنحها كثافة فكرية تجعل منها نصا جديرا بالتأمل وإعادة القراءة.
والرواية في الآن نفسه ليست قصة شخصية، بل قصة جيل يبحث عن صوته، عن مكانه في العالم، عن الله خارج قوالب الزَّوايا، وعن النجاة بعيدا عن المؤسسات المغلقة. رواية تتعدد فيها الأصوات، وتتداخل الأزمنة، وتُطرح فيها الأسئلة ولا تُقدّم فيها إجابات، لأنَّ الغاية ليست الوصول، بل السير، والنهوض بعد كل تعثر.
المصدر: القدس العربي
0 تعليقات