قراءة في سيرة "كنت صغيرة عندما كبرت".. للكاتبة كاترين يحيى
كان أوّل ما أحببت من الكتاب هو عنوانه (كنت صغيرة عندما كبرت)... عنوان يحمل الكثير من الدلالات بأسلوب جميل راق معبّر، إذ كيف يمكن للصغير أن يكون كبيراً؟.. لا يمكن بالتأكيد إلّا أن يكون عقله كبيراً ليعدّ كبيراً... توقّعت أنّي إذن على وشك قراءة كتاب فيه الكثير من نضوج الفكر، وما خيّبت كاترين ظنّي بل قدّمت ما فاق التصوّر، ففي كلّ فصل من فصول كتابها وجدت الحكمة والدروس والعبر... لكن ما سبب هذا النضوج الفكريّ المبكّر؟.. كاترين يحيى شابّة تحمل جنسيّتين، فهي سوريّة الأب أوكرانيّة الأمّ، وهذا وحده كفيل بأن يجعلها تنضج فكريّاً قبل أقرانها بسبب نشأتها بين ثقافتين... أضيفوا إلى ذلك أنّها شهدت حربين طاحنتين، وها هي تؤكّد ذلك قائلة: "لم أصدّق أنّ القدر يختبرني بحربين اثنتين... كنت أظنّ أنّ حرباً واحدة تكفي، وأنّني تعلّمت منها ما يكفي من الدروس كي لا تعاد التجربة، لكنّ الواقع شيء آخر، ورأيي – كآرائنا جميعاً – لا وزن له في مجريات الكون"...
حادثة سقوط المكتبة وانحشار يديها وقرارها عدم الصراخ كالأطفال رغم أنّها في الخامسة مع عمرها تؤكّد لكم ما أتحدّث عنه من نضوج فكريّ... تقول: "بالعودة إلى أمّي وصدمتها ممّا سمعته فمنّ الجليّ أنّ والدي قد أخفى عنها الأمر حينذاك تجنبّاً لقلقها، قالت لي: "ليس بإمكانك أن تكوني جيّدة إلى هذا الحدّ... أين غريزة البقاء؟.. أين براءة الطفولة والصراخ المصاحب لها كإنذار للأهل أنّك في خطر، ولو كان هذا الخطر هو نملة؟.. كيف تحمّلتِ الألم؟.. ما هذا التصرّف العقلانيّ المبالغ به؟.. تناقشنا كثيراً ولن نصل لنتيجة... هل هو حسٌّ عالٍ بالمسؤوليّة، أم خوف من العقوبة، أو أدبٌ زائد عن حدّه أتى بنتيجة عكسيّة كما يحدث بسبب المبالغات عادة، أم هو خليط من كلّ ما سبق؟.. لا أحد يعرف، وهل يجب أن نعرف كلّ شيء؟"
دعوني أخبركم عن بعض صفات هذه الشخصيّة الفذّة، كاترين، عدا عن عقلانيّتها ومشاغبتها... تتمتّع كاترين بالكثير من الصفات الحميدة الأخرى ولا أبالغ إن قلت إنّ الصدق والشفافيّة التي تقترب من المثاليّة هي من أبرز صفاتها منذ طفولتها... تخيّلوا فتاة في الابتدائيّة تضرب زميلاً في صفّها بسبب مشكلة ما لتكتشف أنّه ابن المدير، وعندما سألها المدير رفضت أن تخبره بما حصل وقالت بشجاعة: "أنا لن أخبرك شيئاً لأنّي مهما قلت فلن تصدّقني وستصدّق ابنك"...
دعوني أخبركم أيضاً عن بعض صفاتها التي أتشارك معها فيها، القراءة... نعم، هناك كثيرون يتشاركون هذه الصفة لكنّ كاترين كانت مثلي تماماً "ولا أعني القراءة في المدرسة بل الكتب التي كنت أجدها لدى والدي هنا وهناك ولم تكن مناسبة لي بالطبع فأغلبها مترجم عن الأدب الروسيّ لتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وليرمونتوف وبوشكين وإيتماتوف وغوغول وغيرهم من الأسماء الشهيرة، ومن قرأ لهم يعي تماماً حجم المعاناة والمآسي ورحلات البحث عن الذات ومعنى الوجود والشعور بالذنب وتأنيب الضمير الذي غلب على محتواهم... كطفلة لم أكن أفهم نصف ما أقرأ أو أكثر ولكنّي كنت أعجب بتلك العوالم المختلفة والتي لا تشبه عالمي في شيء، وبالشخصيّات وأفكارهم وأسلوبهم في الحوار فأستمرّ بالقراءة بشراهة، وعندما يحين موعد نومي – وكانت أمّي صارمة في ذلك – كنت أتوجّه إلى سريري دون اعتراض وأتدثّر باللحاف ثمّ أخرج من جيبي مصباحاً يدويّاً صغيراً يعمل ببطاريّة وأستمرّ بالقراءة على نوره بينما يعتقد الجميع أنّني نائمة"... لا أدري فعلاً إن كان الجميع يعتقدون أنّها نائمة وأنّ أمّي أيضاً كانت تعتقد أنّي نائمة أم إنّ حيلتنا، نحن الاثنتين، ما انطلت على أمّهاتنا لكن أدركتا أنّه لم يعد هناك من أمل في معارضتنا؟..
اسمحوا لي أن أبقى قليلاً في مرحلة الطفولة والصبا لأنّها المرحلة الأهمّ التي ستشكّل كلّ ما سنكون عليه لاحقاً... ألا ترون معي أنّ من نشأت على الصدق والشفافيّة التي أخبرتكم عنها سابقاً ستستهجن الكذب والتلفيق والتزوير لاحقاً، وسيتهاوى أمامها من يكذب كائناً من كان حتّى لو كان بمقام إدارة المدرسة بأكملها؟.. تقول كاترين: "أليس من الغريب أن يحيك الكبار – الذين من المفترض أن يمثّلوا القدوة – مؤمرات وينصبون فخاخاً ليقع بها الصغار؟.. ما حدث في المدرسة ذات شتاء أثبت لي أنّ المعايير غير ثابتة عندما يمسّ الأمر المصلحة الشخصيّة لأيّ كان، فقط الإنسان القويّ جدّاً يصمد بينما يتهاوى كلّ من غير ذلك وقد تهاوت كلّ الإدارة دون استثناء"...
تدّرجت الحكايات بعد ذلك لتحدّثنا كاترين عن أشخاص مرّوا في حياتها وكان لهم أكبر الأثر في طبع شخصيّتها بطابع ما أو في تقديم عون ما لها، فحدّثتنا عن الأستاذ هيثم، أستاذ الرياضيات الشغوف بعمله إلى درجة الهوس، وعن الأستاذ صالح، مدرّس اللغة العربيّة الذي كان يشجعّها ويتفهّمها ويقول لها: "أحسنت يا حفيدة تشيخوف"... كما حدّثتنا عن حارث وسرمد وساندرا التي أثرّت فيها جدّاً فقالت: "أفكّر الآن وبعد مرور 18 عاماً على تلك الفترة أنّ المخرجة الجميلة ساندرا قطعاً لا تتوقّع أنّها شجّعت شابّة يافعة من أوكرانيا على امتهان مهنة لم تكن تفكّر بها سابقاّ... كلّ منّا قد يكون مهمّاً في حيوات أناس آخرين ربّما لا يعرفهم كما كانت ساندرا في حياتي... ساندرا التي لا تتذكّرني على الإطلاق ورغم ذلك كان لها تأثير كبير على اختياراتي المستقبليّة"...
حدّثتنا أيضاً عن هانّا شافينسكا ذات "القلب الرقيق والعقل الحكيم والتواضع الذي لا منافس له"، وعن ستانيسلاف تشيرنيليفسكي الذي كان يزرع الثقة بطلّابه بطريقة فريدة تجعلهم يؤمنون أنّهم عباقرة... هناك أيضاً ألكسندر كوريّ "ذو الطاقة الغريبة التي تجبرك على احترامه حتّى لو لم يعجبك"، وهناك آخرون مثل صلاح "ذو السيرة الطيّبة" وتامر إسماعيل وهو"كتلة مثابرة من الذكاء واللطف والهدوء"...
إذن فقد درست كاترين الإخراج في أوكرانيا وامتهنته بفضل ساندرا، ثمّ غادرت إلى مصر وعملت هناك، ثمّ إلى الإمارات حيث عملت واستقرّت... للأسف لن أتمكّن من الحديث عن كلّ مرحلة من مراحل حياتها أثناء الدراسة والعمل رغم أنّها كلّها ملهِمة وفيها من النبل والحكمة والصبر وربّما المثاليّة الشيء الكثير... لا بدّ أن تقرؤوا ما كتبت بأنفسكم فلن يجدي اختصاري لكلّ ذلك مهما حاولت، لكنّي سأقول لكم إنّ كلّ تلك المراحل سواء أكانت أثناء الدراسة أم أثناء العمل هي انعكاس لفترة طفولتها وما نشأت عليه من أدب وصدق وشفافيّة واحترام، فهي مثلاً تصف بيئة العمل فتقول: "عند الأخطاء ينفّذ الجميع مقولة (الهجوم هو أفضل طريقة للدفاع)، ويلقون اللوم على بعضهم على الرغم من أنّ العمل الجماعيّ يتطلّب عناصر كثيرة ونادراً ما يكون الخطأ فرديّاً، ولكنّني اكتشفت أنّ الاعتراف بالخطأ فضيلة نادرة لا يتحلّى بها الكثيرون... أخشى أنّني إن تعمّقت في وصف المواقف والأحداث سأبدو كملاك ومن حوله الشياطين وأنا لا أرغب في ذلك، فأنا لست ملاكاً ولكنّني لا أقبل أن أقدم على بعض الأفعال التي ربّما يراها غيري عاديّة للغاية"...
أليس هذا امتداداً لتلك الطفولة الجميلة الصادقة البريئة؟.. بالتأكيد هو امتداد لها وانعكاس لها وللقيم السامية والأخلاق الفاضلة التي نشأت عليها ثمّ أضيف لها الكثير من التجارب الحيّة التي صقلتها وزادت في خبرتها وحكمتها، ومن تلك التجارب وجودها في الإمارات حيث تعدّد الجنسيّات والثقافات... قالت عن ذلك: "لاحقاً أصبح لديّ أصدقاء وصديقات من جنسيّات مختلفة، وأحببت الأمر، فهذا يشبه شخصيّتي ويحرّرني من أحاديّة الثقافة، وهو مصطلح أعني به ما هو اعتياديّ، أن يعيش شعبٌ واحد في بلد واحد، وتختلف الثقافات والعادات والتقاليد فيه اختلافاً طفيفاً بين منطقة وأخرى، على عكس الدول التي تحوي شعوباً من بلدان مختلفة وبالتالي هناك تنوّع ثقافيّ كبير وهو ما يفتح مجالاً أوسع لأن تكون مختلفاً دون أن يثير ذلك استياء من حولك أو استغرابهم، فعندما يكون الجميع مختلفاً يغدو الأمر طبيعيّاً ويتبخّر اختلافك الصغير في الاختلاف المجتمعيّ الأكبر"...
هذه الخبرة التي اكتسبتها نتيجة الحياة في مجتمع بعيد عن مجتمعها الأم لم تكن بلا مقابل، إنّما دفعت ثمنها الكثير، وها هي تحدّثنا بمرح لا يخفى رغم قلقها الدائم فتقول: "تنقّلت خلال السنوات القادمة بين غرف كثيرة ومدن أكثر، فمنها ما سكنته مؤقّتاً بسبب العمل، ومنها ما كان لأشهر طويلة... تعلّمت أنّني إن ابتعت لنفسي إفطاراً ليوم غد فهذا لا يعني أبداً أنّي سآكله، فالطعام يختفي من الثلّاجة دون تدخّل من الجنّ (أو بتدخّل منه؟)... في الواقع لا يغدو الأمر مهمّاً، والنظافة تختلف من شخص لآخر وقد يكون الاختلاف مهولاً"...
لكم أن تتوقّعوا أيضاً التزام شخصيّة مثل كاترين بعملها وحبّها له وتفانيها فيه وهذا واضح جليّ في كلّ عمل قامت به، لكنّه يتّضح أكثر في حكمها على نفسها بحبس اختياريّ إجباريّ حتّى تنهي كتاباً تكتبه، ولكم أن تتخيّلوا فرحها عندما أنهته إذ تقول: "لن أنسى أوّل جولة لي في المنطقة مشياً على الأقدام بعد قضاء المحكوميّة... كان الوقت مساء والرطوبة عالية والعرق يسيل على وجهي تحت الكمّامة الزرقاء، وخصلات شعري المرفوع متناثرة هنا وهناك وقد صار شكلها قبيحاً بفعل الرطوبة، بينما ينبض قلبي سريعاً من الفرح والفراشات الملوّنة تحوم من حولي وفي داخلي بأجنحتها الجميلة... سعادة الإنجاز والوفاء بالوعد لنفسك لا تضاهيها أيّ مشاعر أخرى"...
كاترين، عزيزتي، ما يخرج من القلب يدخل القلب دون استئذان، وما يقوله اللسان لا يتجاوز الآذان وينسى على مرّ الزمان... لقد دخلت كلماتك قلبي وستبقى فيه، وأحببت عوالمك، كما أسميتها في إهدائك لي، وسأبقى فيها بقراءتي لكلّ ما كتبت من قبل وما ستكتبين في المستقبل...
0 تعليقات