قراءة في رواية "كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر".. لإبراهيم نصر الله
دفعني للاطلاع على الرواية موضوعها المذكور باختصار في غلافها الخلفي: نزول آدم وحواء إلى الأرض..وما أخذت بعين الاعتبار النصيحة التي تؤكد ضرورة خوض مغامرة القراءة دون توقعات، لأني لا أضع توقعات معينة أو أطلب إجابات خارقة، وإنما على العكس تماما إذ ينبع التوقع من ثقة كبية في أن المبدع سيتحمل المسؤولية بجهد ولن يخذل أمانته ولا يرادف ذلك بلوغ اكتمال مأربه من الأرب، وإنما ينجح في إحياء الفكرة بطريقته ويبعثها من المعهود المكرور إلى المعتاد القادر على الإدهاش، وخاصة الدافع إلى التساؤل، فما من مسألة تنجو من الفناء إلا بتردد الاستفهامات في ظواهرها وبواطنها..والفكرة كما تم التنصيص في آخر الرواية "هذا الموضوع أرّق الكتّاب والكاتبات وغيرهم ممن سعى إلى طرح رؤيته فيه، ولهم كامل الحق في ذلك باعتبار آدم جدّا لكلّ واحد منهم وحواء جدّة، فالكتابة عنهما في جوهرها رواية عائلية تخصّ كل منهم على نحو شخصي.
لكن ما الذي قدمته هذه الرواية سواء للفكرة في حد ذاتها أو لتجربة الكاتب الزاخرة بكم لا بأس به من العناوين؟
+ العنوان أولا
"كل الأشياء الجميلة..
يبدو اختيار العنوان موفقا إلى حد بعيد لاعتبارات عديدة من بينها قابليته لاستقبال تأويلات شتى، لا تتأرجح بين الواضح والغامض فحسب، وإنما تفسح بينهما مجالات للتأمل يؤثثها المتلقي بما يريد لنسبية الجمالية.
بالتالي، لا يمكن حصر الأشياء التي تجعل المرء يضيفها إلى قائمة تقصر أو تطول، ولا يمكن الجزم بوجود قائمتين متطابقتين من حيث العناصر الواردة فيهما، وهذا ما يحفز الفضول لمعرفة ما تم عرضه في الرواية باعتباره القائمة كاملة " كل" ليضيف القارئ الناقص في قائمته أو يفتح منفذا لمناقشة بعض الأشياء التي لا يجد قناعة ما لإلحاقها بالجمال، وهذا كله يصب في صميم الفعل القرائي الاستقرائي سواء اقتنع أو امتنع..
ولا يمكن إلا الاعتراف للكاتب بجرأته في اعتباره قد توصل إلى ضبط القائمة الكاملة إذ كان بامكانه الاكتفاء للتنسيب الاستغناء عن "كل"..
إنه يعد القارئ بوليمة سردية شاملة لا يعتورها نقص إذ يحضر الجمال في كنف أشيائه جميعها، وينطلق القارئ على أساس هذا التوقع دون ربطه بقلة أو كثرة الأشياء، وإنما رغبة خالصة في معانقة الجمال المدرك سابقا والمجهول لأنه في الحالتين سيتعرف عليهما من جديد بشكل مغاير حسب الأسلوب الذي سيعتمده الكاتب..الأسلوب؟ يحتاج الأمر وقفة بهذا الصدد.
+ العنوان ثانية
كل الأشياء الجميلة القابلة..
لا يمكن إنكار أن الرواية من ذاك النوع القادر على إقناع القارئ كي يتمها، لأنه تم التعويل على حيلة اتصالية، إذ تم جلب الراوي العليم الذي كلفه الكاتب بالسرد، وهو ما يذكر بالحكواتي في المقاهي القديمة الذي يلتف حوله الناس كل ليلة تقريبا أو أسبوعيا بلهفة متجددة، وإن سبق لهم الإصغاء مرارا لخرافاته غير أن كفاءته في الحكي تنجح في إكساب المعلوم سحرا متجددا، تبقى الحبكة الجوهرية واحدة غير أنه يشتغل على التفاصيل أو يطعمها بإضافات يعلم جيدا أن مستمعيه سيستملحونها ويطربونون لها، خاصة إذا ارتبطت بحاضرهم في إشارات مباشرة أو تلميحات دعابة أو مثلا شائعا، لأنه بذلك يمنح لخرافته خيطا يصل به بين الموروث لتتشبث به لتنجو من استقرارها في قرار النسيان أو تجريدها من صلاتها بالواقع أي ينقذها من موت رمزي ودلالي..
بالتالي، ينحصر إبداع هذا الحكواتي في طريقة السرد التي يعول فيها على مهارات إلقاء الرسالة وشد الجمهور أي ينجح في التسويق لمنتجه: الحكاية..
هنا، تحضر أسئلة عديدة حول الإبداع الأدبي وانحصاره في دور شبيه بالحكواتي أو حضور الراوي العليم الذي سيكتفي بسرد المعروف وعدم إعمال المخيلة لتصور سيناريوهات مختلفة بما أن كل الفرص متاحة..
تحضر مجددا ملامح الحيلة التسويقية التي تم اعتمادها كي ينجح الكتاب أن يكون "وجبة سريعة" من جهة ومنتجا منمطا من جهة ثانية، إذ لا يستدعي أي إعمال للذهن في جميع مراحله، فالقصة تتلخص في الآن الذي لحق العقوبة الربانية أي لحظة النزول إلى الأرض وما تلاها من اكتشاف ومحاولات تأقلم وحصر المسألة مجددا في التفاح والعصيان الذي يتكرر وإن اختلف الدافع، فالحافز في الأولى أقوى وأسمى وهو ما يمنح الإنسان بعض التميز بتمرده المختار وفي الثانية اضطرار أمام وطأة الجوع وهو ما يزيد البشر انكسارا أمام قدر يسطو على كرامتهم وحقهم في الاختيار ويجعل منهم كالنمور السجينة في اليوم العاشر ترضى بالعشب وتقبل الهوان..في قصة زكرياء تامر
لا يرتبط الضيق بهذا السياق فحسب، وإنما في مختلف سيرورات الحكاية من فعل النزول الذي تم الاكتفاء بتفسيره المتداول من انتقال من السماء إلى الأرض رغم أن القرائح تفننت واجتهدت في تأويلات عديدة، والاكتشاف في حد ذاته الذي قامت عليه أغلب الرواية والذي قد لا يوجد له مبرر إذ تم الاعتماد على " وعلم آدم الأسماء كلها" لذلك يمكن ملاحظة عدم التوازن بين الجهل التام والمعرفة الخالصة، فحواء تجهل الظل وآدم يعرفه وحواء تعرف جميع أنواع الثمار ما عدا الموز الذي أرشدتها القردة إلى كيفية أكله..بالتالي طلح الجنة غير!
تستعرض الحكاية دون اتخاذ موقف من الراوي العليم..دون اجتهاد لروايتها بشكل مغاير، وهو ما يدفع للتساؤل ما جدوى حضوره إذا لن يعلم قارئه بما خفي..لأنه لم يغتنم حتى الفرص المتاحة له لينوع المقام بين ماضي البشرية وحاضرها، وإنما اكتفاء ببعض الإشارات فحسب أو فصول قصيرة جدا للعودة سريعا لآدم وحواء وتطور حالهما عبر فصول السنة إلى درجة خلو القصة من طرافة من كثرة تكرار فعل النوم والاستيقاظ وغيرها من الأفعال التي قد تكون جديرة بالاستقراء لو لم يتعد الأمر ليبلغ درجة الإملال، فالرواية التي تحكى معلومة وما يستعرض من تفاصيلها مرادف للصور الذهنية الأولية لأن هناك قراءات عديدة اتسمت بالاجتهاد والخوض بشجاعة ولم تكتف بالمتداول، وإنما سبرت الأغوار سواء على سبيل المنطق أو ما خولته المخيلة من شطحات قد تتوقف عند الدوران والإحساس بتلجلج النموذج وهزه رمزيا واستفراغ كل ما تم ابتلاعه من دلالات وإحساس متجدد بالجوع، فلهفة لشطحة أخرى أو نجاح في الارتقاء رويدا بالذهن لتمثل لحظة الاتحاد ميلاد الذهن المنفصل الذي " لا يقتنص هدفا يصعب على غيره وإنما يقتنص ذاك الذي لا يراه سواه" ولا يحتفظ بما اكتشفه أنانية ويستحوذ على السر فيخنقه بهذا الاختيار، ولا يواريه جبنا من احتمال إقصائه أو التنكيل به، لأنه تجرأ وقبض على الاختلاف بمجامع قلبه وإشعاعات ذهنه..ويكتفي بتدوير القصة إرضاء للجميع وبما أن هذا الرضى مستحيل حتى وإن التزم بما يطلبون سماعه فإنه أهدر فرصة للتخييل
لاعتبار الجمال يكمن فيما عرفه البشر من قصتهم لا فيما يمكنهم التعرف عليه اكتشافا وإبداعا،
هل هي دعوة للخوف على هذه الأشياء التي لا يمكن تحديد منبع جمالها: هل في هشاشتها التي تخلق ضغطا نفسيا يجعل الخشية عليها تسيطر؟ فكيف مع هذا الشعور الطاغي يمكن الاستمرار في ملامسة جمالها بل والاقتراب منها, فكل لمسة خطر وكل اقتراب تهديد, فكسرها يعني استحواذ الدمامة على العالم ومن يكسر عمدا أو دون قصد يتحمل مسؤولية تبشيع الكون..
+ العنوان ثالثا
كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر
لم يتم إقصاء احتمال وجود أشياء جميلة غير قابلة للكسر، غير أن الرواية تتجاهله ولا تمنحه أي اهتمام لأن العناية منصبة على تفاصيل بسيطة لمزيد غلغلتها في الوجدان الذي يخشى أصحابه من اكتشاف حقائق مغايرة تضطرهم إلى رجة فكرية وعاطفية، قد لا ينجون منها وقد يترتب عنها عواقب وخيمة ويخشون ألا يقووا -وإن نجوا- من تحمل مسؤولية تأثيث وجودهم بأشياء مكسورة موجعة كلما تعاملوا معها، وتصدعها يجبرهم على الاعتراف بما يعانونه من تشوهات يواريها الوهم بالقناعة والإيهام بالشجاعة والتحمل..خشية من صرف العمر في جبر المكسور، وهي مهمة قد تقصر وقد تعسر إذا تعددت الشظايا واختلطت..خشية من القدرة على التخلص منها والإيمان بالقدرة على إبداع قصة جديدة تروى بطريقة تشحذ النفوس كي تتحلى. بدورها بالمجازفة وتكسر المألوف، وتتوقف عن اعتبار نفسها شبيهة بالذبيخة التي بعد تتبيلها تغلف بالملح وتودع أتونا مستعرا في حفرة، وتحلو لها هذه التجربة، وتعتبر القدر منقذها حين يخرجها متى نضجت ويحررها من أسرها بكسر ذاك الذي حماها من الاحتراق، ترضخ لكل هذه الأشياء "الجميلة" التي قام بها كي لا تضطر إلى البحث عن معنى، وقد تهشمها الاستفهامات ولا تجد من يقبل بما تبقى منها في معارك خاضتها طوعا أو قسرا..تعرب عن امتنانها لما وسم معاملته لها من احترام، ولا تضايقه وهو بصدد التهامها كي لا تكسر صورتها الجميلة التي حددها لها، وعليها الامتثال لها والتماثل معها، وإلا غدت كافرة بجميله في حمايتها من نفسها الأمارة بالاستفهام.
دفعني للاطلاع على الرواية موضوعها المذكور باختصار في غلافها الخلفي: نزول آدم وحواء إلى الأرض..وما أخذت بعين الاعتبار النصيحة التي تؤكد ضرورة خوض مغامرة القراءة دون توقعات، لأني لا أضع توقعات معينة أو أطلب إجابات خارقة، وإنما على العكس تماما إذ ينبع التوقع من ثقة كبية في أن المبدع سيتحمل المسؤولية بجهد ولن يخذل أمانته ولا يرادف ذلك بلوغ اكتمال مأربه من الأرب، وإنما ينجح في إحياء الفكرة بطريقته ويبعثها من المعهود المكرور إلى المعتاد القادر على الإدهاش، وخاصة الدافع إلى التساؤل، فما من مسألة تنجو من الفناء إلا بتردد الاستفهامات في ظواهرها وبواطنها..والفكرة كما تم التنصيص في آخر الرواية "هذا الموضوع أرّق الكتّاب والكاتبات وغيرهم ممن سعى إلى طرح رؤيته فيه، ولهم كامل الحق في ذلك باعتبار آدم جدّا لكلّ واحد منهم وحواء جدّة، فالكتابة عنهما في جوهرها رواية عائلية تخصّ كل منهم على نحو شخصي.
، لكن ما الذي قدمته هذه الرواية سواء للفكرة في حد ذاتها أو لتجربة الكاتب الزاخرة بكم لا بأس به من العناوين؟
+ العنوان أولا
"كل الأشياء الجميلة..
يبدو اختيار العنوان موفقا إلى حد بعيد لاعتبارات عديدة من بينها قابليته لاستقبال تأويلات شتى، لا تتأرجح بين الواضح والغامض فحسب، وإنما تفسح بينهما مجالات للتأمل يؤثثها المتلقي بما يريد لنسبية الجمالية.
بالتالي، لا يمكن حصر الأشياء التي تجعل المرء يضيفها إلى قائمة تقصر أو تطول، ولا يمكن الجزم بوجود قائمتين متطابقتين من حيث العناصر الواردة فيهما، وهذا ما يحفز الفضول لمعرفة ما تم عرضه في الرواية باعتباره القائمة كاملة " كل" ليضيف القارئ الناقص في قائمته أو يفتح منفذا لمناقشة بعض الأشياء التي لا يجد قناعة ما لإلحاقها بالجمال، وهذا كله يصب في صميم الفعل القرائي الاستقرائي سواء اقتنع أو امتنع..
ولا يمكن إلا الاعتراف للكاتب بجرأته في اعتباره قد توصل إلى ضبط القائمة الكاملة إذ كان بامكانه الاكتفاء للتنسيب الاستغناء عن "كل"..
إنه يعد القارئ بوليمة سردية شاملة لا يعتورها نقص إذ يحضر الجمال في كنف أشيائه جميعها، وينطلق القارئ على أساس هذا التوقع دون ربطه بقلة أو كثرة الأشياء، وإنما رغبة خالصة في معانقة الجمال المدرك سابقا والمجهول لأنه في الحالتين سيتعرف عليهما من جديد بشكل مغاير حسب الأسلوب الذي سيعتمده الكاتب..الأسلوب؟ يحتاج الأمر وقفة بهذا الصدد.
+ العنوان ثانية
كل الأشياء الجميلة القابلة..
لا يمكن إنكار أن الرواية من ذاك النوع القادر على إقناع القارئ كي يتمها، لأنه تم التعويل على حيلة اتصالية، إذ تم جلب الراوي العليم الذي كلفه الكاتب بالسرد، وهو ما يذكر بالحكواتي في المقاهي القديمة الذي يلتف حوله الناس كل ليلة تقريبا أو أسبوعيا بلهفة متجددة، وإن سبق لهم الإصغاء مرارا لخرافاته غير أن كفاءته في الحكي تنجح في إكساب المعلوم سحرا متجددا، تبقى الحبكة الجوهرية واحدة غير أنه يشتغل على التفاصيل أو يطعمها بإضافات يعلم جيدا أن مستمعيه سيستملحونها ويطربونون لها، خاصة إذا ارتبطت بحاضرهم في إشارات مباشرة أو تلميحات دعابة أو مثلا شائعا، لأنه بذلك يمنح لخرافته خيطا يصل به بين الموروث لتتشبث به لتنجو من استقرارها في قرار النسيان أو تجريدها من صلاتها بالواقع أي ينقذها من موت رمزي ودلالي..
بالتالي، ينحصر إبداع هذا الحكواتي في طريقة السرد التي يعول فيها على مهارات إلقاء الرسالة وشد الجمهور أي ينجح في التسويق لمنتجه: الحكاية..
هنا، تحضر أسئلة عديدة حول الإبداع الأدبي وانحصاره في دور شبيه بالحكواتي أو حضور الراوي العليم الذي سيكتفي بسرد المعروف وعدم إعمال المخيلة لتصور سيناريوهات مختلفة بما أن كل الفرص متاحة..
تحضر مجددا ملامح الحيلة التسويقية التي تم اعتمادها كي ينجح الكتاب أن يكون "وجبة سريعة" من جهة ومنتجا منمطا من جهة ثانية، إذ لا يستدعي أي إعمال للذهن في جميع مراحله، فالقصة تتلخص في الآن الذي لحق العقوبة الربانية أي لحظة النزول إلى الأرض وما تلاها من اكتشاف ومحاولات تأقلم وحصر المسألة مجددا في التفاح والعصيان الذي يتكرر وإن اختلف الدافع، فالحافز في الأولى أقوى وأسمى وهو ما يمنح الإنسان بعض التميز بتمرده المختار وفي الثانية اضطرار أمام وطأة الجوع وهو ما يزيد البشر انكسارا أمام قدر يسطو على كرامتهم وحقهم في الاختيار ويجعل منهم كالنمور السجينة في اليوم العاشر ترضى بالعشب وتقبل الهوان..في قصة زكرياء تامر
لا يرتبط الضيق بهذا السياق فحسب، وإنما في مختلف سيرورات الحكاية من فعل النزول الذي تم الاكتفاء بتفسيره المتداول من انتقال من السماء إلى الأرض رغم أن القرائح تفننت واجتهدت في تأويلات عديدة، والاكتشاف في حد ذاته الذي قامت عليه أغلب الرواية والذي قد لا يوجد له مبرر إذ تم الاعتماد على " وعلم آدم الأسماء كلها" لذلك يمكن ملاحظة عدم التوازن بين الجهل التام والمعرفة الخالصة، فحواء تجهل الظل وآدم يعرفه وحواء تعرف جميع أنواع الثمار ما عدا الموز الذي أرشدتها القردة إلى كيفية أكله..بالتالي طلح الجنة غير!
تستعرض الحكاية دون اتخاذ موقف من الراوي العليم..دون اجتهاد لروايتها بشكل مغاير، وهو ما يدفع للتساؤل ما جدوى حضوره إذا لن يعلم قارئه بما خفي..لأنه لم يغتنم حتى الفرص المتاحة له لينوع المقام بين ماضي البشرية وحاضرها، وإنما اكتفاء ببعض الإشارات فحسب أو فصول قصيرة جدا للعودة سريعا لآدم وحواء وتطور حالهما عبر فصول السنة إلى درجة خلو القصة من طرافة من كثرة تكرار فعل النوم والاستيقاظ وغيرها من الأفعال التي قد تكون جديرة بالاستقراء لو لم يتعد الأمر ليبلغ درجة الإملال، فالرواية التي تحكى معلومة وما يستعرض من تفاصيلها مرادف للصور الذهنية الأولية لأن هناك قراءات عديدة اتسمت بالاجتهاد والخوض بشجاعة ولم تكتف بالمتداول، وإنما سبرت الأغوار سواء على سبيل المنطق أو ما خولته المخيلة من شطحات قد تتوقف عند الدوران والإحساس بتلجلج النموذج وهزه رمزيا واستفراغ كل ما تم ابتلاعه من دلالات وإحساس متجدد بالجوع، فلهفة لشطحة أخرى أو نجاح في الارتقاء رويدا بالذهن لتمثل لحظة الاتحاد ميلاد الذهن المنفصل الذي " لا يقتنص هدفا يصعب على غيره وإنما يقتنص ذاك الذي لا يراه سواه" ولا يحتفظ بما اكتشفه أنانية ويستحوذ على السر فيخنقه بهذا الاختيار، ولا يواريه جبنا من احتمال إقصائه أو التنكيل به، لأنه تجرأ وقبض على الاختلاف بمجامع قلبه وإشعاعات ذهنه..ويكتفي بتدوير القصة إرضاء للجميع وبما أن هذا الرضى مستحيل حتى وإن التزم بما يطلبون سماعه فإنه أهدر فرصة للتخييل
لاعتبار الجمال يكمن فيما عرفه البشر من قصتهم لا فيما يمكنهم التعرف عليه اكتشافا وإبداعا.
هل هي دعوة للخوف على هذه الأشياء التي لا يمكن تحديد منبع جمالها: هل في هشاشتها التي تخلق ضغطا نفسيا يجعل الخشية عليها تسيطر؟ فكيف مع هذا الشعور الطاغي يمكن الاستمرار في ملامسة جمالها بل والاقتراب منها, فكل لمسة خطر وكل اقتراب تهديد, فكسرها يعني استحواذ الدمامة على العالم ومن يكسر عمدا أو دون قصد يتحمل مسؤولية تبشيع الكون..
+ العنوان ثالثا
كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر
لم يتم إقصاء احتمال وجود أشياء جميلة غير قابلة للكسر، غير أن الرواية تتجاهله ولا تمنحه أي اهتمام لأن العناية منصبة على تفاصيل بسيطة لمزيد غلغلتها في الوجدان الذي يخشى أصحابه من اكتشاف حقائق مغايرة تضطرهم إلى رجة فكرية وعاطفية، قد لا ينجون منها وقد يترتب عنها عواقب وخيمة ويخشون ألا يقووا -وإن نجوا- من تحمل مسؤولية تأثيث وجودهم بأشياء مكسورة موجعة كلما تعاملوا معها، وتصدعها يجبرهم على الاعتراف بما يعانونه من تشوهات يواريها الوهم بالقناعة والإيهام بالشجاعة والتحمل..خشية من صرف العمر في جبر المكسور، وهي مهمة قد تقصر وقد تعسر إذا تعددت الشظايا واختلطت..خشية من القدرة على التخلص منها والإيمان بالقدرة على إبداع قصة جديدة تروى بطريقة تشحذ النفوس كي تتحلى. بدورها بالمجازفة وتكسر المألوف، وتتوقف عن اعتبار نفسها شبيهة بالذبيخة التي بعد تتبيلها تغلف بالملح وتودع أتونا مستعرا في حفرة، وتحلو لها هذه التجربة، وتعتبر القدر منقذها حين يخرجها متى نضجت ويحررها من أسرها بكسر ذاك الذي حماها من الاحتراق، ترضخ لكل هذه الأشياء "الجميلة" التي قام بها كي لا تضطر إلى البحث عن معنى، وقد تهشمها الاستفهامات ولا تجد من يقبل بما تبقى منها في معارك خاضتها طوعا أو قسرا..تعرب عن امتنانها لما وسم معاملته لها من احترام، ولا تضايقه وهو بصدد التهامها كي لا تكسر صورتها الجميلة التي حددها لها، وعليها الامتثال لها والتماثل معها، وإلا غدت كافرة بجميله في حمايتها من نفسها الأمارة بالاستفهام.
0 تعليقات