تمهيد

من عادتك أن تتحاشى القراءة في المؤلفات التي تنقد ما يُسمى بالوضع الراهن؛ ليس تبرما منها، أو تعاليك عليها، بل لحقيقة إدراكك أن مِن بين من يقرأها ليس منهم منْ كُتبت هذه المؤلفات لأجلهِ؛ بل أن من يقرأها يجد في كلماتها صدى لتلك التي في داخله، ووجد من يعبر عنها خير تعبير، ليكفيه بذلك مؤونة الكتابة؛ وكأن نقد الوضع الراهن ما هو إلا فرض كفاية، إذا قام به واحد سقط عن الجميع وزرهُ.  ولكنك هذه المرة لم تجد مفرا من مقابلة ما كُنت –كما أسلفت- تتحاشاه؛ فلقد جاءك الكتاب هدية، ومن مؤلف الكتاب نفسه، وهذان سببان كافيان لتقبلَ الكتاب وتُقبل على قراءته، وهو أمر لم تكن لتندم عليه، فهل يندم أحدُ على قراءة كتاب؟

المقدمة

أوراق من دفتر حسن بن سالم، هذا هو العنوان الذي أختاره أحمد العلوي لإصداره الأخير، الصادر عن دار عرب للنشـر والترجمة. قبل أن تُقلب صفحات الكتاب، توقفتَ كثيرا عند الكلمتين الأخيرتين من العنوان: حسن بن سالم، فسئلتَ نفسكَ: من تُراه يكون؟، فقلت: ربما هو من سيكون لسان حال أحمد؛ ليعبر من خلاله عما يريد البوح عنه. إلا أن توقفك عند العنوان لم ينتهي؛ إذ تسأل ثانية: لماذا أختار هذين الاسمين؟ أهما اسمان اعتباطيان؟ وبالتالي ليس ثم حاجة للتوقف عندهما؟ تؤكد لنفسك بان ذلك لا يمكن تصوره؛ لسببين، الأول: لمعرفتك الجيدة بالأدب والنصوص الأدبية وتحليها، فليس في النص شيء اعتباطي، هذه قاعدة تعلمتهاَ أثناء دِراستكَ للأدب الإنجليزي، أو كما قال تشيكوف[1]:" لو أن الراوي ذكر مسمارا في جدار، فعلى البطل أن يشنق نفسه فيه"، والناقد، أو المحلل، الجيد هو الذي يستطيع أن يعثر على الرمزيات في النص ويجهد نفسه في تفسيرها، والناقد الماهر هو الذي يجد رمزية في النص لم يكن المؤلف يدرك أنها ستكون رمزا أو إحالة لما هو خارج النص. أما السبب الثاني: فله علاقة بالتحدي الذي يضطر المؤلف إلى أن يخوضه وهو: اختيار عنوان الكتاب، الذي ليس، كما يبدو لك، أمرا سهلا، بل أن تأليف الكتاب ذو الصفحات العديدة لهو أكثر سهولة من اختيار العنوان؛ ومرد ذلك إلى الانطباع الذي يرسمه العنوان في ذهن من يمسك بالكتاب لأول مرة، ولهذا يولي المؤلف أهمية بالغة له. إذن، لماذا حسن بن سالم؟ وهل هو، كما توهمت، لسان حال أحمد؟  الذي يتستر به عن أعين من سماه ملكوت القوة والمال؟ أنك تعلم أنه سيكون من السذاجة الإجابة على هذا السؤال؛ دون قراءة الكتاب، ولهذا تقوم بإرجاء الإجابة عليه؛ على أمل العودة إليه لاحقا، فبماذا تبوح الأوراق التي في دفتر حسن بن سالم؟ 

نحو ثورة جديدة

 ستة عشـر نصا، تختلف في موضوعها وتدور في فلك واحد، صاغتها يد شاعر وناثر، وإن قُلت ثائر وثائر لم تخطئ؛ بل هو الصواب، لكن، تسأل نفسك: على ماذا يثور الثائران؟ أعلى الظلم، أم الفقر، أم الجهل؟ لا؛ بل على الإنسان نفسه، ومن هذا الإنسان؟ هذا ما يحاول أحمد، بنثره، أن يتكلم عنه، ولبيد يؤيد ما يقوله أحمد بشعره، في تناغم عجيب قّل من يُجيده. على أن ما يميز هذا الحديث عن غيره، هو أنه ليس محاولة للفت انتباه هذا الإنسان لنفسه وإيقاظه من غفلته فحسب، بل أن هذا الحديث يوحي بأن هذا الإنسان – في صورته الراهنة- مدعاة للبغض والكره، والنفور منه، ولكي يدخل في الفردوس الأرضي عليه أن يتطهر، لا محالة، من آثامهِ. 

تقرأ نصا تلو نص، يسهم وجهك ويتعب ذهنك؛ من كثرة الأسئلة التي يثيرها كل نص، مع ذلك، تتبين لك معالم الإنسان في فكر أحمد، كما يتبين لك أنه مثقف حقيقي صاحب رسالة. وأخيرا، تتعرف أكثر وتقترب من تحديد هوية حسن بن سالم. فما الإنسان، وما هو المثقف الحقيقي؟ ومن هو حسن بن سالم؟ وغيرها من الثيمات والأسئلة، هو ما ستتناوله السطور التالية وفقا لما جاء في الكتاب. في عملية أشبه بإعادة صياغة للنصوص، أو قل، إن شئت، مسألتها وتحليها، موقنا أن النص بهذه الطريقة، لا بالمديح والإطراء، يزدهر وينال صك الاعتراف بجودته وأصالته.

الإنسان المستهلك أو ثقافة الاستهلاك

 ينبهك النص مِن أن تظن أن العيب في الاستهلاك؛ بل ان العيب هو في جعل هذا الاستهلاك غاية تخلق قيمة للإنسان. فتصبح المعادلة كالتالي: 

 استهلاك ثم امتلاك فتستحيل قيمة.

  ثم تصير المعادلة، بفعل التكرار، إلى قاعدة: 

كُلما امتلكت أكثر كلما كبُرت قيمتك، أو، بعبارة بسيطة، قيمتك بقدر ما تملك.

 تجد نفسك مقتنعة بما يقول، لكن ما القيمة؟ تسأل نفسك، وهل هذا الإنسان يرى بوعيه ويدرك عن قناعة أن القيمة في التملك المادي؟ والأهم من هذا كله: ما العيب في جعل القيمة مادية؟ طالما أنه سيشعر بقيمته، وهو ما يمنحه السعادة؟ وما السعادة إلا غاية كل موجود على هذه الأرض، أن أعيش سعيدا؛ هذه غايتك وغاية الناس جميعا. يجيبك أحمد أن هذا وهم وقلق؛ فكلما ملكت أكثر كلما قلقت أكثر من أن تفقد ما تملك، وبالتالي هذه القيمة مهددة بالزوال دائما، بل هي قيمة زائفة خلقها وطّبعها ملكوت القوة والمال، لماذا؟ لتشغلك عن القيمة الحقيقية التي لا يريد لك الوصول إليها؛ لأنها تهدد ملكوته، وتعيد لك فردوسك المفقود. ولكي يأمن على نفسه جعل للاستهلاك اقتصادا سماه الاقتصاد الاستهلاكي[2]، وهو قائم على مداومة التخلص مما يملك الإنسان ويستبدله بآخر جديد، وربطه بالثقافة، أي ثقافة تملك أحدث ما يطرحه السوق من منتجات وإن كان ليست هناك من حاجة إليه، فالأمر كما تعلم ليس مرتبط بالحاجة، بل بثقافة: أن تكون من السباقين وليس من المتأخرين؛ فالتأخر عن شراء المنتج، بمفهوم عالم اليوم، أشبه بالرجعية والتخلف بمفهوم الأمس. لهذا لا غرابة أن يقول أحمد: تغور فرض الانفكاك من عالم يعزز قيمته بمقدار ما ينفق. عالم اليوم الذي أصبح مستنقعا تغوص فيه كل يوم أعز القيم الإلهية في الإنسان[3] لصالح الاستهلاك المتجاوز لما هو طبيعي. ثم يسأل رافعا صوته: كيف يُعقل أن تختصر حرية الإرادة في الرغبة الجشعة للتملك؟ 

بين الفردانية والتفرد 

 لا يقصـر أحمد حديثه على الإنسان المستهلك فحسب، بل يمتد إلى النتائج المترتبة من نمط الحياة هذا، الذي لم تشهد الإنسانية مثله على مر العصور من قبل. هذه النتائج ليست مقتصـرة على الكُلفة المادية التي ترهق كاهل الإنسان الذي يلهث خلف السلعة. بل تمتد لنظرة الإنسان لنفسه، ولحوله من بني جنسه، فبعد أن كان الإنسان يربط قدره بالآخر ووجوده مستمد من وجود هذا الآخر، فك هذا الارتباط وانسلخ منه؛ ونزع نحو أنانية مفرطة؛ التي تستحيل إلى فردانية جشعة لتكون بيئة خصبة لمزيد من الاستهلاك. وعلى الرغم من شعور الفرد بالفردانية إلا أنه يشبه الآخر، إذ هو مسخ له؛ وهذه مفارقة عجيبة ولكنها إرهاص هذا العالم وأكبر أوهامهِ. وبإزاء الفردانية، تجد مفهوم التفرد، الذي يخوض معركة وجودية؛ فالتفرد خروج على مفهوم الفردانية، وعودة إلى الذات الحقيقية للإنسان. إلا أنه يُحارب ويُراد له الموت؛ فالفردانية شريان الاستهلاك، والتفرد يوقف هذا الشريان. 

القيمة الحقيقية

 عرفتَ وأدركت أن الاستهلاك يخلق لك قيمة زائفة، وبما أن القيمة ضرورة لا ترف، ولكي تنجو من هذا الزيف، عليك أن تيمم شطر القيمة الحقيقية، فتقلب حينها بين ثنايا النصوص؛ باحثا عن هذه القيمة لتتعرف عليها، راغبا في أن تحل محل القيمة الزائفة، وهذا عين العقل، إلا أنك ترجع خائبا؛ إذ لم تجدها أمامك صريحة، وكان عليك أن تضاعف الجهد في بحثك حتى تتعرف على ملامحها المبعثرة بين ثنايا النصوص، لتعيد تركيبها بنفسك، وهذه محاولة غير مضمونة النجاح؛ فمثلا يقول لك: ابتعدنا عن القيم حتى تلاشت قيمتنا، فتجد نفسك مضطرا للبحث عن هذه القيم، فيعييك البحث. فتسأل نفسك عندها: إذا كانت القيمة الحقيقية مُبهمة والزائفة واضحة، فهل يُعاتب الإنسان إذا ما اختار الزائفة؟ وإذا كان الإنسان كما قال باولو فرايري

[4] قد تم إعداده لهذه الحقيقة الزائفة، فهل لك يا أحمد أن تخفف عندها من وطأة هذا العتاب؟ تشعر وكأن أحمد يهمس في أذنك بأن ما تقوله صحيح فيقول لك: لهذا هم كثرة ونحن قلة، تُدرك وأنت تقرأ هذه الكلمات، أن هذه النصوص ما جاءت لتضع القيمة الحقيقية بين يديك على طبق من ذهب؛ بل غايتها أن تُنبهك وتقول لك أنك تعيش في وهم وزيف الحقيقة، وعليك أن تسعى إلى الوصول إلى الحقيقة التي لم يصل إليها إلا القلة، ليست القلة المُختارة؛ فلم يخترها أحد ما، بل هي من اختارت أن تكون من القلة، رغم معرفتها بمعنى أن تكون من القلة في زمن يُحييه الصور المستنسخة ويُميتهُ التفرد. 

خلق الوعي 

يتبين لك وأنت تقرا في النصوص أن أحمد يخاطب، معاتبا، الإنسان المستهلِك أكثر مما يخاطب من يدفع هذا الإنسان إلى الاستهلاك، وهو يهدف بذلك إلى أن يخلق الوعي لدى هذا الإنسان المادي، ليتنبه ويغير البوصلة التي ترشده إلى طريق القيمة الحقيقية. كما أنه يُدرك أنه ليس بمقدوره هو وحده أن يوقف الدعوة نحو الاستهلاك؛ فالآلة التي تدعمها أكثر قوة منه، ولكنه يؤمن بانه يستطيع أن يؤثر، ولو قليلا، في الاستجابة لهذه الدعوة. إلا أنك تُدرك أنك، حين تقول إن هذا الإنسان أو ذاك يسعى لخلق وعي لدى الآخر، أنك أمام مفهوم عميق؛ قادر على أن يعيد تشكيل رؤية الإنسان لنفسه، وثم إعادة النظر إلى العالم، فماذا تعني حين تقول بخلق الوعي وكيف السبيل إليه؟ قبل أن تبحث في إجابة السؤال هذا، تتراءى أمامك المعركة التي بين من يُناصر الوعي وبين من يُعاديه؛ لا تقول إن لكل منهما فقط مصلحته في تحقيق الانتصار، بل لهما غاية يسعيان نحو تحقيقها، فما هي تلك الغاية؟ مسخ البشرية على شاكلة واحدة، هذه غاية من يعادي الوعي، نعيش وفق نموذجنا الخاص، هذه غاية من يناصر الوعي. إذن الوعي هو: أن تعي أنك تشبه الآخر، ولكنك لست هو. تبتسم كأنك فككت لغزا عجز عن حله نابغو زمانك، وتقول وكأنك تهمس في أذن أحمد: لا تكمن الصعوبة في خلق الوعي، بل في بقاءه ورسوخهِ، فيجيبك بوضوح قائلا: حين واجهت وهاجمت مع البقية الباقية زيف الصورة، أصبحت بعدها أدفع ثمن القبول بوجه واحد لي، كاتبا عن قلقي الدائم والطويل مع الذين سبقوني في كتابته، أستكمل الحروب البلهاء الصادقة كي لا ينطفئ جنون الذين وقفوا ضدّ علياء وهمية، يركض إليها بني جنسه الموهوم بأنه يندفع إلى جنته الموعودة. تعيد رسم الابتسامة على وجهك وتقول له: هي معركة لا تنتهي، أشبه بالتي بين الحق والباطل، أو كالتي بين القلة المتشبثة بالعالم الحقيقة والكثرة التي تعيش وسط تمثلات العالم المزيف. إلا أن المتغير فيها هو من يقف في هذا الصف ومن يقف في الصف الآخر. والسؤال الوجودي الذي ينبغي أن يقض مضجعك: في صف من تقف؟

نحو فهم أعمق

 تسأل نفسك: ما العدو؟ أو من العدو؟ تتنبه إلى أن أحمد لا يصفه بالعدو، بل بالمستعبد، فتسأله كما سألك: ما الذي يستعبدنا؟ أو من الذي يستعبدنا؟ تعلم بأنه لن يجيبك، فتجيب على نفسك قائلا: 

ليس من الصعب معرفة ماهيته، لكن من الصعب معرفة ما هو دافعه من وراء ذلك؟

تكرر على مسمعك: أنه لمن السهل عليك أن تصفه بالعدو أو المستعبد، ولكن هل توقفت يوما لتعرف أو تسمع منه: لماذا يُريد أن ينزع منك ومن غيرك إنسانيتك؟ ويفرغك ويجعلك أقرب فأقرب من مخلوقات لا تنال من الحياة حظا غير الأكل واللذة؟ أيا كانت الإجابة، عليك أن تعي أنها طريقك نحو خلاصِك منه، لا طريقك لتبرر أو تتفهم دافعه؛ فحتى لو توهم أن دافعه، كما سيتبين لك، لصالح البشـرية؛ لا يعفيه من أثم العطب الذي أحدثه في النفس التي ما عادت تعرف طبيعتها وتاهت في عالم مظلم لا تكاد تجد له نورا. فما هو الدافع الذي يحركه نحو سبغ العالم بالظلام؟ 

إنها النظرة القاصرة إلى أصل طبيعة الإنسان؛ فالإنسان عنده ذو طبيعة شريرة، يقول أحمد: هذه الأرض لم تنعم بسلام بعد حلول البشـر عليها، فيرد عليه حسن بن سالم متهكما ومؤكدا: يعجبني هذا التاريخ الدامي لكم، هو حقيقتكم المطلقة.  وإن كان هذا حقيقة، فإن ما يثير الاستغراب هو التعامل مع هذه الطبيعة الشـريرة للبشر. وما هو أشد غرابة أن هذا التعامل معها يختلف باختلاف مرجعية من يتصدر للمهمة، فلو كانت المرجعية دينية، سينظر إلى أن هذا الشـر ما هو إلا نتاج للخطيئة؛ ونتيجة لذلك سيمنع عنه كل طريق نحو الخطيئة، وهذا يعني منع كل لذة من ملذات الحياة، ولك من التاريخ شواهد على ذلك. وفي المقابل، إذا كانت المرجعية مادية، سينظر إلى أن هذا الشـر ما هو إلا نتاج الموروث الديني الذي لا دعوة فيه إلا للقتل-أليس القتل صوان الشر؟، وبالتالي سيحاول أن يجفف منابع الدين ويفتح له سدود اللذة والشهوة التي مُنعت عنه؛ لتغرقه وتشغله عن نفسه الشريـرة. ولك من التاريخ شواهد على ذلك. وبما أن الغلبة اليوم لعالم المادة، عندها يتبين لك أن الاستهلاك ليس عادة بل أداة تعمل على كبح هذه النفس الشـريرة وتبقيها كامنه؛ إلا أنها تحولت من البساطة إلى الجموح؛ بعد أن بالغ المستعبد في استخدامها؛ حتى قضت على الإنسان الذي هو مزيج من الخير والشر، لا الشر وحده.  

أن تفعل ما تنقد  

وأنت تكتب العنوان الفرعي لهذه الفقرة تتذكر بيتا لأبي الأسود الدؤلي، الذي يقول فيه:

 لا تنه عن خلق وتأتي مِثلهُ         عارُ عليك إذا فعلت عظيمُ

تبتسم؛ فحسن بن سالم ربما تمثل أمامه هذا البيت أيضا؛ عندما قال لأحمد مُعاتبا، في أكثر من موضع: أنت مثلهم. بالطبع أنت لا تعرف البيت الذي قبله ولا البيت الذي بعده، ولا تعلم السياق أو المقام الذي قيل فيه هذا البيت، لكن ما تعلمه، وتأسف له بحق، أن هذا البيت من الشعر أضحى في كل بيت من المجتمع، ومبدأ قيمي يتبناه هذا المجتمع وذاك؛ ونتج عن هذا أن أصبح من المُسلم به أن من ينتقد أمرا ما فمن المُحالِ أن يأتيه، بل لا يجوز له أن يأتيه. لكن، ما غفل عنه الشاعر والمجتمع، أن المثقف، أو الروح الحرة كما اسماها نيتشه، ليس كالعوام؛ إذ هو ينقد عن وعي ومعرفة، وإنه إن فعل ما ينقد يوما، فهو أيضا ينقد ما يفعل دوما، ويدرك أنه ما فعله إلا في لحظة يأس من حال مجتمعه، وهذه حاله عرضية طبيعية، وسرعان ما تختفي ليعود إلى همته المعهودة، ناهيك أن يكون مثل أحمد الذي يقول عن نفسه انه: عدو نفسي وعدو العالم الذي يفرض إرادته، ويضيف: أكره هذه النبتة التي ظلالها تعبث بالآخرين، وحقيقتها لا يجهلها العارفون، فمثله أسرع في العودة إلى حقيقته.  لكن ما سبب هذه الحالة؟ يبدو أنه الشعور بتخلي المجتمع عنه وإقصائه، أو كما قال ابن حزم في رواية طوق سر المحبة[5]: إن من أظهر الزهادة في هذا التكلف عُد من الآثمين وهُجر كما يُهجر القرد بعد هزالهِ آخر السنين. وفي موضع آخر يقول: ما أصعب أن تقف لوحدك أمام الجميع. صحيح أن المثقف تتبرم نفسه من مماشاة الكثرة، إلا أنها تتألم من الهجر، وبما أنه إنسان كالبقية، تتغلب عليه عاطفته وترغب بالوصل، وإن كان مثل هذا الوصل لا يرضيها. 

 صوت الضمير الحي  

لتعترف أنك قد أخطأت في ظنك الأولي في ماهية حسن بن سالم. ولتعترف أيضا أنك شعرت بنوع من الغيرة من العلاقة التي تربطه بأحمد. وأيضا تعترف بأنك عرفت سر اختيار هذا الاسم دون غيره من الأسماء، وتأكد لك انه ليس اعتباطا كما يُتوهم. وقبل أن تجيب عن سؤال: لماذا حسن بن سالم؟ من المنطقي أن تجيب أولا عن: من هو حسن بن سالم؟، ولتبدأ أولا بما قاله أحمد عنه، إذ قال في موضع:  أنه الحقيقة، وفي موضع  آخر أنه صوت داخلي، الذي لا يريد الخلاص منه ولا الفكاك عنه، وفي موضع أنه المبهم الوجود في العالم الجديد، والحاضر الدائم في هواجسي وغيرها من الاوصاف التي تتنوع في كل نص، ولكنك مع ذلك، تشعر بعد كل وصف لحسن بن سالم أنك اقتربت من تحديد ماهيته، ولكن أحمد يفاجئك، ويربك استنتاجك حين قال له: انتظر لحظة اكتمال هالتك في صورة صديقي الذي تحمل اسمه، فتشك في أنه صديق حقيقي، ولكنك تطمئن حين قرأت أن عقله القلق ابتدع هاجسه وسمّاك حسن بن سالم؛ ليتعلق بك أكثر. إن ما يثير دهشتك ليس الاوصاف، بل العلاقة التي تربط بين الاثنين؛ فليس الثاني صدى للأول، يوافقه فيما يقول دائما، ولكنه يناقشه، ويسأله، ويعاتبه، بل ويلومه ويقرعه عما يصدر منه من فعل أو قول لا يوافقه عليه. ويبدو أن أحمد وجد مُتعة في مصاحبته ويتعامل معه وكأنه إنسان مثله واقف أمامه، وفي بعض الأحيان ينسى أنه من نسج خياله، وهالته لا وجود لها في الحيز المكاني؛ فعندما اعترض حسن بن سالم مرة على ما قاله، ما كان منه إلا أن القى القلم الذي بين يديه نحوه؛ ليخترقه محدثا فجوة في هالته. وهكذا تسير العلاقة بين الاثنين؛ إلى أن يطمئن إلى حسن بن سالم فيطلب منه قائلا: هل لك أن تساعدني، وأنا أرفع بندقية محشوة بالرفض والكلمات، أصوبها نحو زيف العالم الذي نغرق في عبثه المفتعل؟، فتطمئن أنت حينها، لتعلن دون مواربة أن حسن بن سالم ليس إلا الضمير الذي يسكن بين أضلع أحمد، والذي يمثل الإنسان الذي يريده أحمد: حسن الصورة الذي لم يتشوه ويُمسخ، وهو كذلك سالم القلب؛ البريء من آثام وخطايا هذا العصر.

هل نسيت لبيد 

 قال لك أحمد، بعد أن أهداك الكتاب، أن هذا المؤلف هو عمل مشترك بينه وبين لبيد، وتتمثل مهمة الأخير، كما بين لك، أن يُعيد صياغة ما كتبه نثرا على شكل قصيدة شعرية. وأنت تستمع إلى حديثه، تخيلت المشهد أمامك هكذا: 

يجلس أحمد على الكرسي، ويجلس أمامه لبيد على كرسي آخر، وتفصل بينهما طاولة وضعا عليها ورقة وقلما؛ ليدونا فيها خطة عملِهِما.

يقول أحمد: لدي رسالة أود تبليغها للإنسان الذي تغّرب عن ذاته. لكن ماذا لو لم تُفهم؟

فيجيبه لبيد: من يُعيهِ فهم النثر، سيفهم بالشعر، ألسنا أُمة فاقت غيرها من الأمم بشعرها؟

فيرد أحمد: ومن لم يفهم الشعر سيفهم بالنثر.

فيؤكد لبيد قائلا: إذن لا عُذر له عندها ليقول: إنه لم يفهم الرسالة.

يبتسم كل واحد منهما للآخر، ويشرب فنجان قهوته، وفي داخِلهما سؤال يؤرِقهُما: هل سأنجح في المهمة؟

هذا المشهد وإن كان مُتخيلا إلا أن سؤال فهم الرسالة لا بد وأنه كان حاضرا عندهما، وهو أمر بدهي، وقد أبدع كُل منهما في الإعداد لتبليغ الرسالة بصورة بليغة مُبدعة. وعند قراءتك لشعر لبيد، تجد أن سيد قطب ما كان يتحدث إلا عنه حين قال:

 إن الشاعر هو الذي يحس بالحياة إحساسا عميقا، ويترجم عنها للأحياء. هو الذي صاغته الحياة؛ ليكون واسطة بينها وبين أبنائها الآخرين. فهو إنسان ممتاز لأن الحياة صاغته على مثال خاص؛ ليؤدي لها مهمة خاصة[6]. تُسـر في نفسِك: أن شاعر أوراق من دفتر حسن بن سالم أدى المهمة باقتدار. ماذا عن فهمها؟ تُجيبك الحياة بحزم: تلك مُهمة لم أوكلها له، بل لك. 

لا فهم قبل الرغبة

بعد أن ذكرت سؤال الفهم لم تستطع أن تتركه دون إجابة. وبما أن فهم النص ليس من مهمة الشاعر، هو كذلك ليس من مهمة المؤلِف، بل هي مهمتك أنت بوصفك قارئا لِما كُتِب. فلماذا تعجز أو يعجز غيرك عن الفهم؟ الذي يؤدي بالنتيجة إلى عدم العمل بالرسالة، وكأنها لم تُكتب؟ فتجعل المؤلف يُردد بأسى ما قاله الشاعر:

ذهبت في الناس أناتي سُدى                   كتلاشي العطر في عصف الهواء

قبل أن تجيب، عليك أولا أن تعود إلى نقطة الصفر لتبدأ منها. نقطة الصفر هي أن يفهم الإنسان أولا نفسه، من هو؟ رغم بساطة هذا السؤال، إلا أن هناك الكثير ممن لم يطرح هذا السؤال على نفسه، بل لم يرغب حتى في أن يطرحه. إنسان اليوم، تقولها بأسى، ليست أزمته متمثلة في الفهم، بل هي في الرغبة في الفهم. أما الفهم، إذا ما توافرت الرغبة عنده، فله وسائل تحقق ذلك، منها: القراءة. ولكن، تعيد الكلام مرة أخرى، هو لا يرغب؛ وهذا ما يجعل كلامك الذي ذكرته في التمهيد مفهوما: أن من بين من يقرأها ليس منهم من كُتبت هذه المؤلفات لأجلهِ. قد يبدو من العبث شروعك في الحديث عن أسباب العزوف عن القراءة، إلا أنه يمكن أن تتخذ من هذا الحديث مدخلا لِفهم لماذا لن يحدث هذا الكتاب، أوراق من دفتر حسن بن سالم، الأثر المرجو منه، وإنه رغم نيله إعجاب الكثير ممن قرأه إلا أن أشبه بما قاله جورج شتينر: مُعد لأعظم تأثير وأقرب زوال[7].  فما هي إذن أسباب العزوف عن القراءة؟ ستحصـر، تقول لنفسِك، الأسباب في سببين، تحدث الأول عنه عباس محمود العقاد والثاني تحدث عنه جورج أورويل. يقول العقاد في مقال له أن الناس تنظر إلى الأدب كأنه وسيلة للتلهي والتسلية في وقت الفراغ[8]. فبالتالي من يقرأ، هو يقرأ للتلهي والتسلية، وفي أمة تتشاءم من الفراغ وتمجد العمل، أو هكذا تصف نفسها، أصبح من يقرأ وكأنه أرتكب إثما بركنه إلى الفراغ وترك العمل.  أما جورج أورويل فهو يؤكد على ما قاله العقاد إلا أنه يضيف على كلامه قائلا: إن القراءة هي وسيلة تسلية أقل إثارة من الذهاب إلى سباق الكلاب السلوقية، أو للسينما، أو حتى للحانة[9]. تتيقن من أن هذان السببان كافيان ليبقيا الإنسان بعيدا عن القراءة، إذا ما علمت أن في عالم اليوم من وسائل الترفيه ما لا يحصى منها. لكنك تضيف إلى السببين أخا لهما، وهو أن القراءة أصبح يُنظر إليها على أنها غاية وليست وسيلة، ولكنها غاية لا تستحق أن يُسعى إليها، أو هكذا توهمنا. إذن من سيقرأ الكتاب هو من يعتبر القراءة: جدا لا هزلا، ومن يراها وسيلة مؤدية إلى الوعي بالنفس والعالم لا وسيلة ترفيه، وهذا في عالم اليوم قليل. 

إلى عُتمة القاع لن يعود 

إن الموج الذي رفع أحمد من قاع البحر ليمنح الإنسانية لؤلؤته لن يعيدها إلى القاع مرة ثانية. وإن اختفت من على شاطئ البحر. تؤمن كما يؤمن أحمد أن المعركة خاسرة، لكنه مع ذلك لم يكن ليعمل وفق مبدأ إذا لم يكن بوسعك أن تهزمهم فأنضم إليهم.  عزائك الوحيد، وربما عزاء أحمد أيضا، بعد أن زال الخطر عن الآلة التي اهتزت قواعدها، وكادت أن تقع، لتعود إلى ممارسة عملها المفضل: سحق الإنسان، وعاد الإنسان ليؤكد أنه باقِ على الوهم، عزائك الوحيد أن الإنسان سينتصـر في حربه، وسيذكر التاريخ أحمد وكذا لبيد، أنه يوم أن كان الإنسان غارق في وهمِه كانا يحملان همه وهم الإنسانية. أوراق من دفتر حسن بن سالم لن يعود إلى القاع ولن يُنسى في الرف، بل سيكون رفقة أخوته الذين سبقوه ليأخذ مكانه في بناء المعول الذي سيكتمل حتما ليهوي ويوقف هدير محركات الآلة، لينعم بعدها الإنسان بإنسانيته.

عود على بدء

قرأت يوما اقتباسا لأحدهم، يقول فيه: نحن نقرأ لنعلم أننا لسنا وحدنا. ابتسمت وانت تقرأ هذا الكلام وقلت في نفسك: من يقتبس كلاما ساذجا كهذا؟ بعد أن انهيتَ قِراءة أوراق من دفتر حسن بن سالم، دون وعي منك، تمثل أمامك هذا الاقتباس، هذه المرة لم تبتسم ولم تسخر منه، بل علمت أن له معنى أعمق من ظاهره، تأملت الكلمات، التي لا تزال ماثلة أمام عينيك، ثم أشحت بنظرك نحو الكتاب الذي لا زال في يدك، تغمض عينيك، ثم تأخذ نفسا عميقا، فتبتسم بعدها لتقول لنفسك: هذا الكتاب كلماته ليست كلماتي إلا أنها صدى لما يعتمل في صدري منذ زمن، وأرفض البوح به؛ خشية الرفض والاستنكار، وعندما قرأت الكتاب وجدته يبوح بما كتمته، فعلمت بعد ان قرأت أنك لست وحدك، وما أعتمل في صدرك ها هو يعتمل في صدر أحمد: ما العالم في هذه اللحظة إلا محض وهم، بيد أن الفرق بينك وبينه أنه يتحلى بالشجاعة، والجرأة، والوضوح، وهذه مجتمعة سماها زيجمونت باومان صفات يتحلى بها المثقف صاحب الرسالة[10]. تقول لنفسك: لابد أن تأخذ من صفاته هذه دفعة تدفعك لتخرج بها ما حاك في صدرك من فلسفة، أو هكذا سميتها، تنظر بها إلى هذا العالم، تعينك على تخفيف وطأته عليك، فما هذه الفلسفة؟ هي بضعة كلمات لا أكثر، صِغتها في لحظة تجلي لا تتكرر كثيرا: الحياة ليست إلا وهما وقلقا. 

ربما تبدو وكأنك تعيد تكرار كلمات أحمد، ولكي تنأى بِنفسِك عن هذه التهمة، لم تفكر في: من الأول الذي سبق الثاني إلى هذه الحقيقة؟ فالحقيقة، بخلاف السلعة، لا تحفل كثيرا بمن وصل إليها أولا، ولكنها تحفل وتهتم بماذا سيفعل من وصل إليها. تتمثل أمامك صورة حسن بن سالم بهالته المعهودة، يشير إليك بسبباته اليمنى ويسألك: ماذا عمِلت بعد أن صغت فلسفتك هذه على هذا الشكل؟  قبل أن تهم بالإجابة على سؤاله، تتنبه إلى أمرا ما قد جفلت عنه فتقول له: دعني في البدء أشرح لك ماذا أعني بهذه الكلمات؛ فقد تكون متشابهة في المبنى مع أحمد، ولكنها قد تختلف في المعنى. فماذا أعني بإن الحياة ليست إلا وهما وقلقا؟

تبدأ بالوهم، إذ هو عندك: الوهم الذي جعل الإنسان يشعر انه يعيش وفق اختياراته وقراراته، هو مالِكُ زمام أمرِه لا غيره، هو مستقل، هكذا يصف نفسه، هو واهم، هكذا تصفه. وتتكئ في قولك هذا على ما قاله مارك توين في كتابِه ما الإنسان[11]، إذ يقول: هو لم يختر بنفسه، بل أٌجبر على الاختيار بفعل قوى لا يمكن إخضاعها. وهو بهذا يفرق بين الإرادة الحرة والاختيار الحر، ويشدد على أن ليس ثمة إرادة حرة، بل اختيار حر، والوهم هنا، كما ترى، أن يظن الإنسان أن إرادته حره، واختار وفقا لها، في حين أنه اختار خيارا من بين خيارات وضِعت أمامه، وقد عبر زيجمونت باومان عن هذا بإبداع فذ حين قال: يشعر المرء بالغبطة من أنه اختار السلعة بمحض إرادته؛ في حين أنه تعرض لعديد من المرات إلى إعلانات دفعته-دون أن يشعر- إلى شراء تلك السلعة تحديدا. [12]

أما القلق فهو عندك على نوعان، الأول منهما يصيب الإنسان من سيل الخيارات التي ينبغي له أن يختار من بينها في كُل حين، ليس القلق من الاختيار بحد ذاته، بل مِن أنهُ لم يكن صائبا، أو لم يكن هو الأفضل، أو لم يدعو إلى الشعور بالرضا، ويبدو لك أن هذا القلق مفتعل ليس من طبيعة الإنسان نفسه؛ إذ تستشهد مرة أخرى بكلام زيجمونت باومان الذي يقول فيه: ثقافة اليوم-أي الاستهلاك- مهمتها منع الإحساس بالرضى لدى الزبون. أما النوع الثاني من القلق فهو ناجم عن الإيقاع السـريع للحياة، الذي فيه كُل شيء يتغير، وما عهده الإنسان بالأمس ليس هو نفسه اليوم ولن يكون هو نفسه غدا. فيكون الإنسان في قلق مواكبة هذا الإيقاع بل في سبقِه إذا استطاع. وهذا السلوك لا ينسجم وفطرة الإنسان التي تراوح بين الحركة والسكون، فينشئ عندها القلق. ناهيك يا حسن بن سالم عن القلق الناشئ من الخوف على المستقبل، إذ منذ أن شعر الإنسان أنه هو، لا القدر ولا المجتمع، من يحدد شقاءه وسعادته وكذلك مستقبله، أصبح في قلق دائم من ألا يحقق المستقبل الذي يأمل به ويرضيه.  ومن المفارقة الساخرة أن الإنسان يتنبه إلى القلق، ولا ينتبه إلى الوهم الذي هو فيه.

إذن، بعد أن أوضحت لحسن بن سالم ماذا تعني بكلامك، تقول له: دعني أجيبك على سؤالك: ماذا عملت؟ أجيبك فأقول: بالوعي يسهل التعامل مع القلق؛ فالقلق نتيجة وليس وسيلة أو سببا. أما الوهم فلا تقدر على رده بالجملة، ولا حتى مواجهة من يدعمه، لكن، توجه الخطاب إليه، دعني أحدثك عن شيء أؤمن به. فهل تعيرني انتباهك؟

رياح الشمال 

 لدى كُل إنسان عقل وعاطفة، هذه مُسلمة قلّ من تجد من يخالفها. وقد شغل المفكرين على مر العصور سؤال لم يتفقوا على إجابة واحدة له: أيهما يحكم الآخر؟ هل العقل سيد على العاطفة؟ أم أن العاطفة سيدة على العقل؟ كذلِك اختلفوا في كيف يُدار العالم: أبالعقل أم بالعاطفة؟ لكن اتفقوا، يا حسن بن سالم، على أن العالم لا يُحكم بالاثنين، إما بالعقل وإما بالعاطفة. يحق لهما التناوب ولكن لا يحق لهما التجاور، هذا ما خلصوا إليه وأقره الإنسان. كذلك جرى ربط العقل بما هو مادي، وربط العاطفة بما هو وراء المادي، فأصبح العقل رمزا للعالم المادي، والعاطفة رمزا للعالم الروحي. وهكذا لكُل منهما دورته؛ ليثبت للإنسان أنه الأجدر والأنسب ليحكم العالم. ما يثير استغرابك هو أن كُل دورة تنتهي بثورة، ثورة مسلحة كتلك التي سميت بالثورة الفرنسية، ثورة العقل على العاطفة، أو بثورة فكرية كتلك التي سميت بالحركة الرومانسية التي ثارت على عصـر الانوار، ثورة العاطفة على العقل هذه المرة. وتعيش أنت الآن دورة العقل الذي ثار على العاطفة، وسيطرة المادة على الفضاء الإنساني الذي استحال إلى خواء. هذه الثنائية في الرؤية للعالم فرّقت الإنسانية إلى فريقين: فريق يحكم وفريق محكوم، سيد وعبد، مُستعبِد ومٌستعَبد، قاهر ومقهور، مُستفيد ومُستفاد منه، أو بلغة اليوم، رابح وخاسر. يمكن للإنسان أن يتحول إلى الفريق الآخر؛ لكن، تقول في نفسك، لن تجتمع الإنسانية في فريق واحد: الكل رابح أو الكل خاسر، بل لا بد من رابح ومن خاسر، هذه ربما سنة الحياة، فالخاسر اليوم هو من يستهلك والرابح من يبيع، لكنه، أي المُستهلك، بعد أن يتنبه إلى خسارته سيثور، لا محالة، لا على البائع فحسب، بل على المادة نفسها، على العقل. دورة العقل أوشكت نهايتها، وإرهاصاتها ماثلة امامك. وما هذا الانغماس في المادة والاستهلاك الجشع لها إلا أحدها، ربما ستشهدها أنت. لكن ما يثير الكمد في قلبك، أن هذه الثنائية الظالمة حرمت الكثير والكثير من الناس من أبسط حقوقها: أن تعيش الحياة، وقد أحسن جلال الدين الرومي حين قال:

 كُل نفس ذائقة الموت   وليس كل نفس ذائقة الحياة 

تلتفت يمينا وشمالا؛ تبحث عن حسن بن سالم فلا تجده، فتمسك بورقة لتدون فيها هذه الكلمات؛ ستقولها له عندما يزورك مرة أخرى: إن مأساتنا بل شقائنا في أننا كثيرا ما أردنا أن نكون ملائكة، وكثيرا ما أردنا أن نكون بهائم، ولكننا لم نُرد، ولو لمرة واحدة، أن نكون بشرا.  

 إلا أنك دونتها هكذا: إن مأساتنا بل شقائنا في أننا كثيرا ما يُراد لنا أن نكون ملائكة، وكثيرا ما يُراد لنا أن نكون بهائم، ولكن لم يُرد لنا، ولو لمرة واحدة، أن نكون بشرا.  

 تبتسم فتقول في نفسك: لا بأس، فالحقيقة دونت نفسها. 

 [1] معجم السرديات، مجموعة مؤلفين. 

[2] الثقافة السائلة، زيجمونت باومان

[3] النباهة والاستحمار، علي شريعتي

[4] تعليم المقهورين، باولو فرايري 

[5]  طوق سر المحبة، عبدالاله بن عرفة. 

[6] سيد قطب، مهمة الشاعر في الحياة.

زيجمونت باومان، الثقافة السائلة. [7]

[8] عباس محمود العقاد، مطالعة في الكتب والحياة.

[9] جورج أورويل، الكتب مقابل السجائر.

[10] زيجمونت باومان، الثقافة السائلة. 

[11] مارك توين، ما الإنسان ص 122.

[12] زيجمونت باومان، الثقافة السائلة، بتصرف طفيف.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم