تقدّم رواية "أغالب مجرى النهر" للروائي سعيد خطيبي نصاً سردياً كثيفاً يتجاوز حدود الحكاية البوليسية أو الاجتماعية إلى مساءلة التاريخ الجزائري الحديث بوصفه تاريخاً مثقلاً بالالتباس، حيث تتجاور البطولة مع الخيانة، والتحرر مع القمع، والقانون مع الجريمة، والأسرة مع التفكك. تؤرّخ الرواية لنصف قرن من تاريخ الجزائر، من الحرب العالمية الثانية إلى مطلع التسعينيات، عبر مسارين متوازيين: امرأة متهمة بقتل زوجها، ووالدها المناضل السابق المتهم بالعمالة. ومن هذا التشابك ينسج الكاتب نصاً عن وطن يحاكم أبناءه، وأبناء يحاكمون آباءهم.

أولاً: البنية السردية… التحقيق بوصفه شكلاً للذاكرة

اختيار الكاتب فضاءات مثل المشرحة، العيادة، غرفة التحقيق ليس اختياراً عابراً، وإنما بناء رمزي بالغ الدلالة. فالمشرحة مكان كشف الجسد بعد موته، وغرفة التحقيق مكان كشف السيرة بعد انهيارها، والعيادة مكان محاولة إصلاح ما تعطب. وهكذا تتحول الجزائر نفسها إلى جسد مشرّح، وتاريخ قيد الاستجواب، ومجتمع يبحث عن علاج متأخر.

الرواية لا تسرد الماضي بوصفه زمناً منتهياً، وإنما باعتباره ملفاً مفتوحاً. كل شخصية تحمل وثيقة ناقصة، وكل حدث يملك روايتين أو أكثر. هنا ينجح سعيد خطيبي في تحويل التحقيق الجنائي إلى تحقيق تاريخي، حيث يصبح السؤال: من قتل الزوج؟ مدخلاً إلى سؤال أعمق: من قتل المعنى العام للحرية بعد الاستقلال؟

ثانياً: التحليل النفسي للجو العام… وطن في حالة هذيان

الجو النفسي العام في الرواية هو قلق جماعي مزمن. الشخصيات لا تتحرك في فضاء طبيعي، وإنما في مناخ من الشك، والتوجس، والتوتر الأخلاقي. الجميع مراقب، والجميع مشتبه به، والجميع يبرر أفعاله بوصفها ضرورة.

يمكن قراءة هذا المناخ نفسياً بوصفه اضطراب ما بعد الصدمة الوطنية. فالمجتمعات الخارجة من الاستعمار كثيراً ما تحمل آثار العنف إلى داخلها، وإذا لم تُعالج الذاكرة، أعادت إنتاج القسوة داخلياً. ولذلك نرى في الرواية:

  • انهيار الثقة بين الأفراد
  • الشك بين الأجيال
  • توتر العلاقة بين الأبناء والآباء
  • تآكل مفهوم البطولة
  • تحوّل النجاة الفردية إلى غاية أعلى من القيم

تشير الرواية إلى شروخ بين الأجيال، وهوة بين الآباء والأبناء، وزيجات فاشلة، وعلاقات سرية، وأزمات أمومة، وكلها أعراض نفسية لمجتمع فقد مركزه الأخلاقي.

ثالثاً: الجرائم المتنوعة… حين يصبح الخلل مؤسسياً

من أكثر عناصر الرواية قوةً أنها لا تكتفي بجريمة واحدة. هناك قتل، وتلفيق تهم، وسرقة أعضاء بشرية، وتجاوزات قانونية، واتجار بما يجب أن يكون مقدساً. طبيبة تعيد البصر لمرضاها باستخدام قرنيات مسروقة من جثث الموتى، وهي مفارقة شديدة العمق: إعادة النظر عبر أداة مأخوذة من العتمة.

هذا التنوع في الجرائم لا يراد به الإثارة، وإنما كشف أن المجتمع حين يختل، لا تنهار مؤسسة واحدة فقط، وإنما تتشوه المقاييس كلها:

  • الطب يتحول إلى منطقة رمادية
  • القانون يتحول إلى أداة انتقائية
  • التاريخ يتحول إلى اتهام
  • العائلة تتحول إلى ساحة صراع
  • الجسد نفسه يتحول إلى سلعة

وهنا تبلغ الرواية مستوى نقدياً عالياً: الجريمة ليست فعل فرد منحرف، وإنما عرض لبنية مختلة.

رابعاً: الأسرة… الخلية التي أصابها صدع الدولة

في النص، الأسرة ليست ملاذاً من الفوضى، وإنما إحدى ضحاياها. الأب المناضل السابق يجد نفسه متهماً. الابنة متهمة بالقتل. العلاقات الزوجية تتصدع. الروابط العاطفية تتحول إلى مساومات أو هروب.

إنها صورة دقيقة لمجتمع حين يفشل في تأسيس عدالة عامة، تنتقل العدوى إلى الخاص. فالأسرة لا تعيش خارج الدولة، وإنما داخل مناخها. وإذا كان المجال العام قائماً على الريبة، يصبح البيت أيضاً فضاءً للريبة.

خامساً: الفلسفة الكامنة… الفوضى بعد التحرر

تطرح الرواية سؤالاً فلسفياً بالغ الأهمية:
هل يكفي التخلص من المستعمر لنيل الحرية؟

يبدو جواب النص: لا.

فالتحرر السياسي لا يضمن التحرر الأخلاقي أو المؤسسي. قد يخرج المستعمر من الأرض، غير أنه يظل في الذهنية إذا استمرت:

  • عبادة السلطة
  • ثقافة الإقصاء
  • تلفيق الروايات
  • احتكار الحقيقة
  • تهميش الإنسان لصالح الشعارات

هنا تلامس الرواية فكرة ما بعد الاستعمار: أن بعض الأمم قد تنتصر عسكرياً، غير أنها تتعثر في معركة بناء الإنسان.

سادساً: الإرباكات السردية… فوضى مقصودة أم عبء فني؟

قد يشعر بعض القرّاء بوجود تشظي في سير الأحداث وكثرة المسارات وتزاحم الملفات. غير أن هذا الإرباك ليس عيباً خالصاً، وإنما يتسق جزئياً مع موضوع الرواية ذاته. فالفوضى الشكلية تعكس الفوضى التاريخية والأخلاقية التي يتناولها النص.

ومع ذلك، يمكن القول إن الرواية أحياناً تقترب من تخمة الموضوعات، بحيث يحتاج القارئ إلى جهد مضاعف لربط الشخصيات بالمصائر. وهذا يثري النص من جهة، ويثقله من جهة أخرى.

سابعاً: ماذا يفعل الأدب في بوتقة الماضي؟ ألا توجد مساحة للغد؟

هذا السؤال جوهري، والرواية نفسها تثيره وإن لم تصرح به. الأدب العربي كثيراً ما يعود إلى الجراح المؤسسة: الاستعمار، الانقلابات، الحروب، الخيانات الكبرى. والسبب أن الماضي لم يتحول بعد إلى تاريخ، وإنما ما زال حاضراً في بنية الواقع.

غير أن السؤال يبقى مشروعاً:
هل يظل الأدب محكوماً بالتشريح فقط؟ أم يستطيع أن يتخيّل المستقبل؟

في "أغالب مجرى النهر"، يبدو أن المستقبل غائب بوصفه مشروعاً، حاضر فقط بوصفه قلقاً. وهذا خيار فني مفهوم، لكنه يفتح باباً أوسع: نحن بحاجة إلى أدب لا يكتفي بكشف الخراب، وإنما يجرؤ على تصور ما بعده.

فالأدب إذا بقي أسير الأرشيف، قد يفقد قدرته على الإلهام. وإذا تجاهل الماضي، يفقد صدقه. والمعادلة الصعبة هي: ذاكرة بلا أسر، ومستقبل بلا وهم.

خاتمة

رواية "أغالب مجرى النهر"  عمل مهم لأنه لا يهادن التاريخ ولا يجمّل المجتمع. إنه نص عن الجزائر، غير أنه يتجاوزها إلى سؤال عربي عام: ماذا يحدث حين يتحول التحرر إلى سردية رسمية، بينما الإنسان في الداخل يزداد اختناقاً؟

نجح سعيد خطيبي في تقديم رواية عن وطن يقاوم مجرى نهره الخاص؛ نهر الذاكرة، ونهر السلطة، ونهر الخوف. وهي رواية تذكّرنا بأن أخطر أشكال الاستعمار قد لا يكون ما يفرضه الغريب على الأرض، وإنما ما يخلّفه الماضي داخل النفوس، حين يستمر في التحكم بالحاضر والمستقبل، ناشراً التشويه والضبابية، ودافعاً نحو خيارات تولد من الفراغ وتسير في العتمة.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم