الروع .. عن المخاوف التي تقتلنا وتحيينا!
تقوم بعض الروايات على سرد حكاية بين أبطال العمل/شخصياته، أو رحلة يخوضها البطل للوصل إلى غاية محددة، ولكن ثمة روايات أخرى تحتل الفكرة مكانًا مركزيًا فيها، ولعل هذا ما سيلاحظه القارئ في السطور الأولى من رواية الروع، التي تدور حول فكرة مركزية، وإن كانت تهتم أيضًا ببناء العالم والشخصية الأساسية فيه.
من جهة أخرى تكمن براعة الروائي في قدرته على الإلمام بتفاصيل عالمه، ومهارته في استعادة تفاصيله من جديد، مع كل عمل وكل رواية، وإذا كان حصول الروائي إلى جائزة كبيرة يمنحه المزيد من المقروئية والجماهيرية، ويوسّع من دائرة التعرف عليه وقراءة وتناول أعماله، فإن ذلك سيجعل من الطبيعي ترقب عمله القادم، وكان غلب على ظني أن "زهران القاسمي" بعد حصوله على جائزة الرواية العربية عام 2023 سيكتب في عالم مختلف عن العالم الذي أخلص له وبرع في وصف عرضه وتفاصيله عالم البيئة العمانية، وكنت قد أفردت له مقالاً هنا منذ عامين بعنوان (الكتابة عن الطبيعة التي تعبر عن الإنسانية)
https://alriwaya.net/post/reviews/zhran-alkasmy-alktab-aan-altbyaa-alty-taabr-aan-alnsany-klha
ولكن القاسمي بمهارة واقتدار أخذ على عاتقه هم التعبير عن هذا المجتمع وهذه البيئة وتلك الطبيعة، وأفرادها الذين يتشبثون بها ويعبرون عنها بطريقتهم أيضًا، سواء في صراعهم معها أةو مواجهتهم لمشكلاتها، أو كيف يكون "الخوف" منها أيضًا محركًا لحياتهم ومؤثرًا على عالمهم.
من هنا يأتي عالم بطل رواية "الروع" الصادرة مطلع هذا العام، محجان، ذلك القروي البسيط الذي تمكّن أخيرًا من مواجهة حيوانات البريّة وطيورها حتى يتمكن من الحفاظ على أرضه ومزرعته، ولم يكن كل ذلك إلا بأنه استطاع أخيرًا أن يصنع بنفسه "الروع" تلك الفزّاعة التي أعدها من خشب مخصوص حتى تكون قادرة على أن تخيف الطيور وتصد الحيوانات عن حقله مصدر رزقه الوحيد.
(خُيّلَ إليه برهةً أنّ عينَي الرّوع تدوران في محجرَيهما، وأنّه رأى صورتَه في مقلتَيهما الشديدَتي السواد حين لمعتَا فجأةً. وبدَا له أنّه أحسَّ بوخزٍ في صدره، يشبهُ ما اعتراه حين وقف أمامَ المغارة، أو ما كان يعتريه حين يصادفُ في طريقه بعضَ من خَافهم في طفولته، أو حين يمشي وحيدًا بين السككِ المعتمة ويمرّ بالبيوتِ الطينيّة. أغمضَ عينَيه. ثمّ فتحهُما ليتأكّدَ ممّا رأى. لكنّه كادَ يضحكُ من تخيّلاته بصوتٍ مسموع. لم يجد أمامَه سوى ثقبينَ غائرَين في كرةٍ من القشّ. لذلك عاتبَ نفسَه، إذ كيفَ له أنْ يسخرَ في ساعةٍ يحسُنُ به أن يكون فيها جادًّا. فزجَرَ نفسَه وعادَ إلى حزمِه وجِدّه.)
لا يقتصر الأمر على وصف تلك الحالة والموقف منها فحسب، بل يأخذنا السارد بين ماضي بطل الرواية وحاضره، علوعلاقته بأسرته وأهل قريته، ومع كل تركيز على وصف محجان، وأبعاد شخصيته وعالمه، يجد القارئ نفسه شيئًا فشيئًا أمام نفسه، فالحكاية ليست مجرد الرجل البسيط الخائف في عراء البادية، بل إنها تتحول لتكون حكايتنا جميعًا إذ لدينا قدرًا من تلك المخاوف، ولنا مع الماضي والحاضر قصص وحكايات تتعلق بذلك الخوف الذي لا نقوى كثيرًا على مواجهته.
تتحوّل الرواية بسلاسة من تفاصيل حكاية محجان، إلى تفاصيل علاقة الناس في ذلك العالم بالخوف، وكيف يمكن مواجهته، وكيف يشكّل حياتهم، وتأتي براعة السرد في وصف الحالة، كما يبرع فيها القاسمي، وصفًا شاعريًا، ينقلنا إلى حالة بطله وعالمه مباشرة، في كل موقف يمر به أو مشاعر يتلبسها:
(( ظلّ محجان زمنًا طوي يخافُ الأماكنَ المعتمة، والظلالَ القاتمة، والبيوتَ الطينيّةَ المهجورة، والبقعَ الضيّقةَ بين الجبال، والملابسَ السودَ التي يلبسُها العجائز، وحقولَ النخل المكتظّة، وكهوفَ الجبال التي ظلَّ يراها عيونًا تراقبُه لتجتذبه نحوَها. لكنّ أكثرَ ما كان يخيفه مخزنُ البيتِ، وهو في الأصل غرفةٌ من الطينِ ظلّتْ كذلك حتّى وقتٍ قريب، تتكدّسُ فيها الأغراضُ أكوامًا، بعضُ أفرشةٍ قديمة، وأوانٍ معدنيةٌ، وسحَّاراتٍ، أجربَةُ التمر وخروسُ الفَخّارِ الكبيرة، خُيّلَ إليه أنّ شيئًا مّا يندسُّ في بطنِها وقد يِخرج رأسَه في أيِّ لحظة.
تحاشَى طوالَ طفولتِه الدخولَ إلى ذلك المخزن، لأنّه فقدَ مرّةً نعلَه فدخلَه وقد ظنّ أنّها في المخزن، فانغلقَ عليه الباب، وسقطت دفته، واتّكأتْ على الإطار وعلقت. فكاد يومَها يموت من شدّة الهلع))
على طريقة الفصول القصيرة ينتقل بنا السارد شيئًا فشيئًا إلى مشهد من مشاهد القرية، أو موقف من مواقف محجان وعالمه، ولعل أكثر ما يميز هذه الرواية عن غيرها، أنها رغم اعتمادها على تفاصيل البيئة العمانية وعالمها، إلا أنها استطاعت أن تنتقل بالقارئ إلى أن تكون حالة إنسانية عامة، يمكن اعتبارها حكاية عن الإنسان في كل مكان، إذ سيجد القارئ فيها تماسًا مع أحواله الشخصية خاصة فيما يتعلق بالمخاوف التي تملأ عالمه والتي يمكن أن تعرقل مسيرته أو تشوه علاقاته بالآخرين، وكيف يتحوّل ذلك الخوف إلى حاجز كبير رغم كل ما قد يتوفر لديه من أساليب الحماية والأمان، رغم أنه في هذه الحال بعيد عن القرية وعالمها، ولعل هذا مما يجعل العمل أكثر ثراءً وأصالة.
0 تعليقات