دأب المفكّر والروائيّ الإفريقيّ الكينيّ نغوجي واثيونغو (1938 -2025) على فضح سرقة الغرب للمواهب والعبقريات في إفريقيا كما يسرق الاقتصاد. وكشف كيف أن الأوربيّين سرقوا في القرنين السابع عشر والثامن عشر الكنوز الفنية من إفريقيا ليزيّنوا بيها بيوتهم ومتاحفهم، وفي القرن العشرين سرقت أوربا كنوز العقل لتثري لغاتها وثقافاتها. ويؤكّد أنّ إفريقيا تريد أن تستردّ اقتصادها، سياستها، ثقافتها، لغاتها، وكتّابها الوطنيين جميعاً.

يركّز الكينيّ نغوجي واثيونغو الذي يُعَدُّ أحد أبرز المفكّرين اليساريّين في إفريقيا على قضيّة «تصفية استعمار العقل»، في كتابه المسمّى بهذا العنوان. ويجد أنّ بين الكاتب والجرّاح أمراً مشتركاً هو الشغف بالحقيقة. يؤكّد أنّ وصف الدواء الشافي معتمدٌ على تحليل شديد الدقّة للواقع. كما يرى بأنّ الكتّاب هم جرّاحو قلوب الناس وأرواحهم. ويتقصّى أثر الكلمة بالموازاة مع أثر الرصاصة، حيث يعتقد أنّ اللغة كانت أهمّ وسيلة للقوى الاستعماريّة في فرض نفوذها وتكريس رؤاها، كانت الرصاصة أداة الإخضاع الجسديّ أمّا اللغة فكانت أداة الإخضاع الروحيّ.

يقرّ بأنّه صار يدرك مع مرّ السنين أنّ أيّ عمل، حتّى العمل الأدبيّ الإبداعيّ، ليس نتاج عبقريّة فرديّة، إنّما هو نتاج جهد جماعيّ. حيث تضاف زيادات كثيرة في التشكّل الفعليّ لصور أو فكرة، بل حتّى في الترتيب الشكليّ أحياناً. ويجد أنّ الكلمات التي يستخدمها المرء هي نتاج تاريخ جمعيّ وكذلك العمل الراهن الذي يقوم به. ويجد أنّ هناك ثلاث لغات لكلّ طفل كينيّ، وهي حقيقة يدعو كثير من الوطنيّين والديمقراطيّين الكينيّين إلى ترجمتها عمليّاً في سياسة اجتماعيّة ورسميّة.

يتحدّث واثيونغو عن التجربة اللغويّة للكتّاب الأفارقة، ويحلّل انعكاس السياسات اللغويّة التراكميّة على التجارب الإبداعيّة، ليؤكّد أنّه كان في مختلف أرجاء إفريقيا وعلى مرّ السنين والقرون كتّاب كتبوا وظلّوا يكتبون بلغات إفريقيّة. ويؤكّد أنّ الإشكالات الراهنة لإفريقيا لم تأتِ في الغالب بسبب اختيار شخصيّ، بل نتيجة وضع تاريخيّ. كما أنّ الحلول ليست مسألة قرار شخصيّ بقدر ما هي تحوّل اجتماعيّ لبُنى المجتمعات الإفريقيّة يبدأ من قطيعة حقيقيّة مع الاستعمار وحلفائه من الحكّام المحلّيّين. ويؤكّد كذلك أنّ الإمبرياليّة وحلفاءها لن يستطيعوا تطوير إفريقيا، أبداً. وينتقد الخيار الغربيّ الإفريقيّ للممارسات اللغويّة في إفريقيا، وذلك دون أن ينتقص من موهبة وعبقريّة أولئك الذين كتبوا باللغات الأوربيّة، لكنّه يرثي وضعاً معيّناً، هو السرقة الشاملة التي ظلّ يفضحها.

ينطلق نغوجي واثيونغو من ذاته، حين قرّر هجر الكتابة باللغة الإنكليزيّة للكتابة بلغته المحلّيّة الإفريقيّة، يطبّق تصفية استعمار العقل على نفسه، في مسعى منه لتعميمه ومحاولة تطبيقه من قبل الآخرين، ولاسيّما الأجيال اللاحقة، التي يرغب في أن تحتفظ بهويّتها وفرادتها دون الغرق في التبعيّة وفقدان الخصوصيّة. ويدلو بدلوه في مصير قارته، يساهم بفكره وأدبه في تعريف العالم ببلده دون أيّ ارتهان أو شعور بالضعف والغربة.

يدين واثيونغو التفسير المبتذل بتصنيف كلّ شيء وكلّ فعل وممارسة في إطار القبائليّة أو أيّ إطار آخر مكبّل لطاقات الإنسان، ويستنكر أنّه حتّى الأدب نفسه يجري تقويمه أحياناً بموجب الأصول القبليّة للمؤلّف، أو التكوين أو الأصل القبليّين لشخصيّات عمله الأدبيّ. ويرى أنّ هذا التفسير المبتذل للحقائق الإفريقيّة تقوّى بدعم وتشجيع من الغربيّ الذي يريد أن يُزيغ الناس عن رؤية أنّ الاستعمار ما يزال السبب الأساس للعديد من معضلات إفريقيا. ويتأسّف لوقوع عدد من المثقّفين الأفارقة ضحايا لهذه الخطّة، إلى حدّ لم يعد فيه بعضهم قادراً على الشفاء ولا على معرفة الأصول الاستعماريّة ذات قاعدة «فرّق تسد» في تفسير الاختلافات الثقافيّة والصدامات السياسيّة تفسيراً يستند إلى الأصول الإثنيّة للمختلفين.

يبني نغوجي واثيونغو مقاربته المختلفة من خلال النظر إلى الحقائق الإفريقيّة كما هي متأثّرة بالصراع الكبير بين قوّتين متضادّتين في إفريقيا: تراث استعماريّ من ناحية وتراث مقاوِم من الناحية الأخرة. ويجد أنّ الشركات العالميّة متعدّدة الجنسيّات والطبقات الحاكمة الملوّحة بالعلم الوطني هي التي تحافظ على التراث الاستعماريّ، وتنعكس التبعيّة الاقتصاديّة والسياسيّة للطبقة الحاكمة في ثقافتها الجامدة المفروضة بالقوّة، حيث يقوم بنشر أفكارهم جهاز من مثقّفي الدولة وكذلك الأكاديميّون والصحافيّون المقرّبون من تلك المؤسّسات. أمّا التراث المقاوِم فيقوم به مثقّفو الشعب والفئات والشرائح المختلفة من الشعب، وتنهض بمهمّة الدفاع عن التراث الوطنيّ والنضال الديمقراطيّ للقوميّات التي تسكن المنطقة. ويجد أنّ أيّة ضربة توجّه للاستعمار مهما كانت الأصول الإثنيّة والمحلّيّة للضربة فإنّها انتصار لكلّ العناصر المناهضة للاستعمار في القوميّات كلّها. وأنّ الحصيلة النهائيّة لهذا التحدّي هي التي تشكّل التراث الوطنيّ.

يقرّ بحقيقة أنّ الاستعمار لدى المدافعين الوطنيّين عن الثقافات المناضلة للشعب الإفريقيّ ليس شعاراً، بل هو حقيقيّ وملموس محتوى وشكلاً في وسائله وتأثيراته. ويجد أنّ الاستعمار يحكم عبر رأس المال الاحتكاريّ، ويستشهد على هذه الحقيقة بحقيقة أخرى وهي ارتهان الدول الإفريقيّة لصندوق النقد الدوليّ، الذي يصفه بوزارة المال العالميّة الجديدة، بحسب تعبير جوليوس نيريري.

يجد أنّ حرّيّة رأس المال الماليّ الغربيّ والاحتكارات فوق القوميّة التي تحت مظلّته تكمن في الاستمرار بسرقة بلدان وشعوب أمريكا اللاتينيّة وإفريقيا وآسيا وبولينيزيا، ويرى أنّها حرّيّة محميّة بالأسلحة التقليديّة والنوويّة. ويكشف أنّ الاستعمار الذي تقوده الولايات المتّحدة يتقّدم إلى شعوب الأرض والداعين إلى السلام والديمقراطيّة بإنذار نهائيّ: قبول السرقة أو الموت. ويكشف كذلك إصرار المضطهدين ومضيّهم في تحدّيهم وتحرّرهم من السرقة، لكنّ السلاح الأكبر الذي يعدّه الاستعمار ويشرع في استخدامه فعليّاً ضدّ هذا التحدّي هو القنبلة الثقافيّة. ويشير إلى خطورة ما يمكن أن تقوم به قنبلة ثقافيّة من أثر كارثيّ، إذ يمكنها أن تبيد إيمان شعب بأسمائه ولغاته وبيئته وإرثه النضاليّ ووحدته وقدراته وفي النهاية إبادة إيمان شعب كامل بنفسه. بحيث تجعلهم ينظرون إلى تاريخهم باعتباره يباباً لا منجزات فيه، ويجعلهم يرغبون بالنأي بأنفسهم عن ذاك التاريخ، والبحث عن التماهي مع مستعمريهم ولغات أولئك المستعمرين في محاولة للارتقاء بأنفسهم وانتشال أنفسهم من أتون ثقافاتهم المحلّيّة.

وفي روايته «تويجات الدم» أيضاً يحضر إنذاره بفجيعة الارتهان للاستعمار وسياساته الفكريّة الرامية إلى التشكيك بكلّ ما هو إرث وطنيّ، وإبدائه واجهة للتخلّف والجهل، وتصدير كلّ شيء وافد من قبله على أنّه الأبرز والأصحّ والواجب الالتزام به للتطوّر. ومن هنا يوجب على الطبقات التي تكافح الاستعمار في أشكاله الجديدة مواجهة هذا التهديد الثقافيّ بأسلحة ذاتيّة، عبر اكتشاف الألسنة الموحّدة المتضمّنة في أيّة لغة، لأنّه يجزم بأنّ الشعب الموحّد لن يُهزَم. ويعتبر أنّ اختيار اللغة والاستعمال الذي توضع فيه أمر مركزيّ في معرفة الشعب ذاته في علاقته ببيئته الطبيعيّة والاجتماعيّة، بل في علاقته بالكون كلّه، لذلك فإنّ اللغة تظلّ في مركز الصراع بين القوّتين الاجتماعيّتين المتنافستين في إفريقيا.

يتأسّف نغوجي واثيونغو لرؤيته كتّاباً أفارقة محكومين بتطويق لغويّ استعماريّ يعرّفون بأنفسهم في شروط لغات الفرض الاستعماريّ، وكيف أنّهم حتّى في أقصى مواقفهم تشدّداً يرون «حقيقة» مقرّرة أنّ انبعاث الثقافات الإفريقيّة يكمن في لغات أوربا. ويندّد في الوقت نفسه بمفارقة إمكان استخدام لغات الأمّ يثير نغمة خفّة في عبارات مثل «خيانة مرعبة» و«الإحساس بالذنب» بينما استخدام اللغات الأجنبيّة يثير اعتناقاً إيجابيّاً دقيقاً محموداً.

يعتمد واثيونغو في موضوعته الرئيسة لمناهضة استعمار العقل، وسعيه إلى تصفيته والتخفيف من حدّة آثاره المخلّفة على الناس على فكرة فرانز فانون الذي يتحدّث في كتابه «معذّبو الأرض» عن الرجال الذين لا ينامون ليحلموا لكنّهم يحلمون ليغيّروا العالم. ويأتي سعيه الفكريّ لتخليص القارة السوداء من الاستعمار الأسود الذي يهيمن عليها مجدّداً أسلحته ومفعّلاً أدواته ومغيّراً سبل سيطرته كلّ مرّة.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم