الألم فاعلاً سردياً.. "قراءة في سيرة: هكذا عشت الجحيم، لهيثم حسين"
"تُعدّ كتابات الذات ممارساتٍ عريقة، اتخذت أشكالًا متنوعةً للغاية تبعًا للعصر والمكان. وقد شكّلت مجالًا منفصلًا للإبداع الأدبي في القرن العشرين، وهي اليوم موضوع بحثٍ في مختلف العلوم الإنسانية."
باسكال ديلورماس، في مستهل كتابه: من السيرة الذاتية إلى الإخراج الذاتي. قضية روسو
ما أن نلقي نظرة سريعة على هذا الكم القائم، مما هو مدرج في خانة" الملحمة، الحكاية، القصة، والرواية.." تاريخي حتى يتبين لنا بعمق، ذلك التنوع الهائل في عناصره، وداخل كل عنصر بالمقابل، وهو ما يضعنا في مواجهة السرد، بوصفه قاسماً مشتركاً وحاملاً لها في مجموعها طبعاً، إلى درجة أنه يعزز فينا، جرّاء هذا التنوع، حول أن السرد اسم لمسمى يعنيه، دون أن يتطابق معه إطلاقاً، فيحضر هنا مفهوم " القطْع الناقص " الذي يتطلب إضافة تلو أخرى إليه، ليظهر له وجه، لسان، صوت وحركة، وحتى صمت حي، وما أن يتم ذلك، حتى يختفي معزّزاً يقيناً من نوع آخر، قد نألفه، أو نرتاح إليه في الحال، مشيراً إلى قسمة الغياب التي تخصه، أكثر من الحضور الذي يجسّده، وهو ما يجعله مؤثراً، وإن كان وليد ما كان، وإن كان تخيلياً يعشش في أفق الآتي، حيث إن الوليد هيئات، وتطلعات، وكذلك تجليات ، كما لو أن ولادته هذه لا تتوقف ، وعيناه على آتيه على مدار الساعة، تأكيداً على جانب الفضول المتجدد طيَّه، وهو الضامن لإبقائه في اسمه، إجرائياً، بينما يعدُ بالمختلف، وإن كان يشي بالمؤتلف لحظة معاينته، أو سبر قاعه كذلك.
لهذا، كان له سهمه اللافت والمعتبَر في هذا الإثراء النفسي الذي يبقينا على أهبْة الاستعداد، لأن نعرِف الخفي فيه، ونحن نكاشف علنيَّه.
إنه يسمّينا، بقدّر ما يرفض وضع اسمه بين مزدوجتين، أو تعريفاً يحدد فيه جنسه، نوعه، لونه، شكله، ومحتواه..إلخ. فتكون المتعة!
في " هكذا عشت الجحيم " للكاتب الناقد والروائي والقصصي الكردي السوري هيثم حسين، يطرح السرد نفسه بإحدى هذه الصيغ التي تمضي بنا إلى حيث يكون إمكان تخيل اللامتناهي، ونحن نقرأ " متناهياً نصياً " طي كتاب ، صادر لعام 2025، ومن منشورات رامينا، لندن، وفي " 222 " صفحة . كمٌّ حدوديٌّ، لكنها جغرافيا تخيلية، تحل التضاريسي في تنوعَ بيئاته ومناخاته محل المسطح كإحداثية ثابتة لموقع!
وثمة عرّاب الأثر ومقتفي بذرته، كحدث مسمَّى، ولا يحاط به لمجرد كتابة اسمه، أي: الألم، رهان كاتب على ما عناه وابتلى به، وما ابتلى به وجعاً دفيناً، وحِداداً حياتياً رغم نفي الموت عنه، اعتلا به، ليكون الألم مشفوعاً بسرد مفكَّر فيه واقعاً وما يستنبضه تخيلياً لسانَ روح منكوبة فيه في لحظة ما، تصير حدثاً، والحدث كما هي الحجَرة المرمية في الماء، وهي ترسم دائرة تليها سواها وسوى هذه، حتى مع نهاية كتابه/ نصه، وهو عزاء المبنى في إبقاء المعنى واعداً بما يبقي مسروداً بحساب مؤثره الجاري خارج دفّتيه" الكتاب/ النص ".
لهذا، كان هذا النظر في " الألم " الذي يشير إلى مكابِده، إلى المتجسد في مقول قوله الأدبي، وما يصله بواقع كان وتشعَّب أبعاداً، وكيف أمكنه أن يصيّره سرداً، كيف أمكن للألم الذي يحول دون الكلام أحياناً، ودون التركيز على سريان فعل الحياة فينا أحياناً، ودون الخلوص إلى السكينة والتأمل أحياناً، دون الادعاء بأنه " كذا وكيت وهكذا" لأنه يستوفي حقه كمفهوم، بوجعه، وهو يشدنا إليه وبه، ليكون تالياً فعل الخميرة المؤثر الذي ما أن تمتزج بالعجينة، وتتشربها في كليتها، حتى تحيلها خلاف المعهود فيه قبل ذلك.
الألم الذي يراودنا عن روحنا دائماً
تقول الكاتبة الإيطالية الشهيرة ناتالي غينزبرغ " ١٩١٦-١٩٩١ " عن الألم وفيه، ما تنورنا به كثيراً:
( نرفض الألم: نشعر به يتصاعد ونختبئ خلف الكراسي والستائر، حتى لا يجدنا. ولكن في تلك اللحظة يأتي إلينا الألم. كنا نتوقعه، ومع ذلك لا نتعرف عليه فورًا، ولا نسميه باسمه فورًا. مذهولين وغير مُصدَّقين، مقتنعين بأن كل شيء قابل للإصلاح، ننزل درجات منزلنا، ونغلق ذلك الباب إلى الأبد: نسير بلا نهاية في الشوارع المُغبرة.).
بدءاً من العنوان، وما قبل العنوان، حيث يكون مخاض النظر فيه اختياراً موصولاً بالمعنَّى، يباشر الألم النوع حضوره" هكذا عشت الجحيم ". العنوان لا يجاز بسهولة في صوغه . " هكذا " إشعار بما يمكن اعتباره في حكم المعروف والمحاط به، ولكن العنوان الذي يندرج ماضياً في بنيته، يتطلب كشف نقاب، ليصبح في مستوى " هكذا": أي في نطاق: ماذا جرى؟ وأي إقامة غصْبية في الجحيم؟
وأي جحيم هذا الذي جاء العنوان تقريرياً من ناحية، ولكنه مدمّر لما هو تقريري، لحساب التنويري، لأنه ليس جرداً حسابياً.
لافتٌ، أن الكاتب حددَ مساره في بنية سرده، حيث تقدًّم به جحيمياً، إن جاز التعبير. الجحيم يذكّر بالنار، والنار أكثر من كونها جحيماً. إنها في بنيتها" الحي -الأعلى، داخلية وخارجية، تتألق في الفردوس، وتستعر في الجحيم، عذوبة وعذاب.." بالتعبير الجميل لباشلار. الجحيم ما لا يطاق، ما لا يُنسكن إليه. لا أحد يمضي إلى الجحيم، إلا مرغماً، لأن المضي إليه طريق اللاعودة. الجحيم مكان غير مشتهىً، منفّر، جلاب آثاب وفظائع، والجاري فيه، كما تقول أدبياته، تجريد المدفوع إليه عنفاً، أو قهراً، مما يبقيه ماثلاً للعيان بوعي وتماسك نفْس، لأنه، ببساطة، تحيله مفعولاً فيه لا فاعلاً، مادة، موضوعاً منزوع الذات بأكثر من معنى. البلاغة تتكلم هنا.
الألم يتموطن هنا، يعبّر عن هيئته، عن نوعه وجنسه، عن خاصيته، تبعاً للجاري باسمه. كلنا نتألم، إنما لكل منا ألمه الخاص. لهذا كان اختلاف الجحيم، تبعاً لاحتلاف الحالة، لاختلاف المعيش هنا. الجحيم استعارة. نعم، لكنه كشاف مستور وما فيه ما فظائع قائمة!
لهذا كان الجحيم الموصوف، ويكون ناراً/ عذاباً لا عذوبة، وإن كان من عذوبة، فتكون تالياً، إنه القبح، بمفهومه الفني، والذي يجلوه الجمال الذي نراهن عليه، على وقع قوة التخيل إبداعياً. لا أحد يتمنى أن يكون قبيحاً. لكن وصف القبح في مكوّنه أمر آخر.
" هكذا " يكون الجحيم، حيث يجري استبعاد النار، كاسم مباشر، ربما هي فطنة تنبّه إليها الكاتب، ووهبها قيمة تنويرية، ليكون لعنوانه وقْعه المغاير أدبياً، فيكون الحريق. الحريق منفّر، صادم، مخرب، مؤذ، مهلك ومؤلم تحديداً، فكان هذا الحصر...
الجحيم عدة كتابية، رمزياً. دون ذلك، يستحيل النظر في الجنتي، لأن الواقع المعيش تراجيديا فاعلة بسويات شتى فينا، وحده الكاتب، وعلى قدّر نفاذ فعل المختلف إبداعياً لديه، يصادق الجحيم لا حباً به، إنما ليستوفي مطلوبه حق جلاء المعنى بصورة أفضل.
الجحيم حريق داخلي، له حدوده. لدى الكاتب ما يخرجه عن إطاره، ما يبدأ به، فيه، وقد خبره كرهاً، ليصبح خارجاً، فلا يعود هو نفسه، بقدّر ما يمارس فتح مغاليق واقع، استنطاق مسكوتات، إماطة اللثام عما هو مستبد بالواقع مثقَل بالكارثي، وفي واقعته الخبر اليقين.
نحن هنا إزاء تجربة، تجربة حياتية، ليست الأولى من نوعها بالتأكيد، إنما تجربة لها سجلها الاسمي والشخصي، الزماني والمكاني، تجربة الألم مقروناً بالحريق، حيث الكتابة تقوم بمهمة تمتد بها إلى المستقبل، إلى خارج لغتها المسطورة" العربية " وتعوّل على ما استعدت له، وهي أن تكون أكثر من اعتبارها ناقلة حدث، أو واقعة، أو حتى مهمة وكّلت بها نفس، أن تصبح محط اهتمام الآخر، والآخر، هو أي كان، يستطيع الوقوف عند التجربة هذه، وهي أكثر من كونها منوطة بشخص، بدور عابر، تجربة تسمّي ما يجعلها مثمرة تاريخ قادم، وكاشفة جغرافية هادمة مهدومة إنسانياً، والعلامة الفارقة شهادة في جسم حي، إنسانياً، يحفر الجاري زمنياً، فلا يعود السارد هو الماثل أمام الأنظار، إنما ما كان فاعله حريقاً فيه، وما كان محمولاً ألماً يشي باسمه، ويعرّي واقعاً ومن يسوسه حرفياً.
ما يمنح هذا الألم، وفي الكتابة قيمة دلالية، هو أن من ضمن إهداء الكاتب ما يعمّق مأساة الحرف، ومداها المستفحل، إهداء إلى ما " عانى ويعاني من آثار الحريق ! وما في ذلك من إبراز لفعل المعتمَد عنواناً، والمرتجى عزاء ودرساً في تعلّم الألم واقعاً وحقيقة !
وبذلك، لا يظهر على الكاتب أنه، بطريقته هذه، وكما سنرى، تجاوباً مع مدلول " هكذا " يمارس تصفية حساب مع ماضيه، واقتفاء أثره، في مسقط حدثه، إنما- ربما- تسويته مع مستقبله، وتبيّن ثمره، في مهبط معناه ، إن جاز التعبير.
في فحوى " السيرة "
" هكذا عشت الجحيم " جرى تحديدها بكونها " سيرة " دون أي إضافة مألوفة هنا وهناك. أي " سيرة "؟ ثمة تنوع للسَيَر: أهي ذاتية، فكرية، مزيج منهما، أم مكانية أو زمانية..؟
لم يترك الباب للتفسير وحده مفتوحاً، إنما لقراءة من يعنيه أمر تسمية كهذه، لها مكانتها.إنها تعنيه، تسمّيه، وكل مساءلة تطرَح حولها، يكون هو المستدعى، لأنه هو المتكلم، بامتداد روايته السيرية هذه، هو الموجّه لدفة السرد. بالطريقة هذه، يكون في مقدور قارئه أن يفعّل نباهته، فضيلة البحث عن الممكن إضافته، لجعل المعنى أكثر تيسيراً وأبعث للطمأنينة النفسية: سيرة تنفتح بقدّر ما تنغلق عليه، لكنه في الكتابة، هو وليس هو، إذ ما جدوى الكتابة هنا، إذا كانت تقريراً عن واقع، وليس إقراراً بحال تكثّف أحوالاً في تضاعيفها.
تلك لعبة لا تخفي مهارة معايشة الكتابة، وحتى مكر اللعب بالاسم والمتوخى منه.
سيرة يكون لسان حالها كامل جسمه، جسده الإنساني، مصهر الألم الذي يترجم نارياً ما هو صادم على أرض الواقع.
أستدعي إلى الذاكرة ما أفصحت عنه الأكاديمية الفرنسية فلورنس دي تشالونج، في مقالها: الألم، "مذكرات مارغريت دوراس الخالدة" وهي تنوّه بما هو محوري في الكتابة ذات المرجعية الذاتية، أنى كان الأسلوب في الكتابة، حيث الألم معمّدها، بقولها:
( الألم، في جوهره، بالنسبة لكاتب اليوميات، تعبير عن الانتظار. وبينما يسمح للذات بتجاوز حدود الذات، وإلغاء الزمان والمكان، والعيش في حاضر مطلق، محصور في كتابة اليوميات، فإنه لا يقتصر على التجربة الشخصية.).
ولكي يضفي على ما يمضي به إليه حق إقامة في عالم السرد، وانبنائه على معان تترى، يموقع بؤرة توتر، التوتر الرحال بامتداد الكتاب/ الرواية، لا أثر للحدوتة في المسرود، وهو يتشعب، يمتد، ويضيق، ويتسع، يتعمق ويتكثف ظاهراً، ويفعّل مأثرة التخيل لديه في آن.
أي حيث ينبسط النص السيري بين دالتين ناريتين" محرقتين " فعلياً، ورمزياً، جهة العناوين التي تتقاسمه، بداية: حادثة الاحتراق، ونهاية، في صيغة استفسار: هل تجاوزنا الجحيم ؟ في الحالة الأولى، ثمة تدشين لألم يمارس صيرورته وسيرورته، حادثة تُسمى لتسميه، وفي التالية، يكون الحديث عن الحريق ذا صلة مكانية وزمانية، إنما إنسانية، وما فيها من بُعد تطهيري، وبصيغة الجمع، وكأن هناك خلاصة تجربة، وهي أن الألم يعلّمنا ليس كيف نتحمل أثقال الحياة، لأننا منذورون لها، إنما لأن الحياة هذه لا تعطي إن لم تُعط، بمعايير متنوعة، وهي جديرة بأن تعاش هكذا.. تذكرني العبارة بعنوان رواية ناظم حكمت: الحياة جميلة يا صاحبي..
كما لو أن الألم في مقام الحد الأوسط، بمفهومه المنطقي، ما أن يربط بين مقدمة ونتيجة حتى يختفي، أي يصبح كموناً ..
السيرة حياة، أقل من حياة، وأكبر منها. إنها وليدة تجربة حياتية، في زمان ومكان معلومين، ولكنها قادرة على طرْق أبواب حياة كثيرة، جرّاء المؤتى باسمها، عند شعور القارىء أنه هو بدوره المبلَّغ بحقيقة ربما غفل عنها، أو تعنيه، هو وسواه.. هنا يطرب الفن !
الكتابة بوصفها ألماً
قارىء " هكذا عشت الجحيم " من السهل عليه ملاحظة أن هناك انشغالاً مشدَّداً عليه، جهة الألم، ومحله من إعراب الوجود عموماً، وفي الموجود الذي يكونه هو نفسه شخصاً، ويتعداه مجازاً. كما لو أن الكاتب في قرارة نفسه، صمم على أن يضيء الحياة في تنوع حالاتها، مشرقاً ومغرباً، ما يشكل اعترافاً قاعدياً بمكانة الألم، وهو يتخذ هيئات، وتكون له أصداء تتناسب وحمولة التعبير عن المدبَّر .
في روايته، حيث تتسلسل العناوين، ولكل عنوان حرمته، ونصيبه من واردات الألم بالذات، حيث الألم الذي يتفوه بلسان الحريق، أو الاحتراق، حيث الجحيم هو المدشّن لفكرة الرواية، ويمتد في عمق كل عنوان آخر، تعلَّق الرواية بين عنوانين، هما دالتا حريق، بداية ونهاية، مع فارق أن العنوان الأول " حادثة الاحتراق " واقعة مسجلة، وهي جملة اسمية، ليكون العنوان الأخير مضياً إلى العنوان الرئيس، المظلة الكبرى لعموم الكتاب" هل تجاوزنا الجحيم ؟" جملة فعلية، وبصيغة ضمير المتكلم الجمعي، كما لو أنه على وقع ما انتهى إليه كتابة، يجعل قارئه شريكاً له في معاشرة الألم، حيث تكون الحياة، ويحمل مسئولية لها بعد أخلاقي، لأن لا منجى لأحد من الألم.
لو أننا تابعنا ما هو مذكور بالاسم، جهة الألم، وما هو مذكور مجازاً، أو استعارة، لرأينا أن ليس من صفحة إلا وفيها حضور للألم أو ما ينبّه إليه، ويمنحه قيمة اجتماعية، وسياسية، وحتى ثقافية بالمقابل.
أورد بعض الأمثلة، تجنباً للوقوع في فخ التنميط:
لا يعود الألم أحياناً محصوراً في الجسد، تراه يتوسع مع كل نظرة شفقة أو تجنب . ص 11 .
النيران التي اجتاحت جسدي بلا رحمة ، ثوَّرت براكين الألم في كل خلية من خلاياي. ص16 .
الجروح التي تغطي جسدي تشتعل في كل مرة يلفعها الهواء البارد. الألم لا يوصف.ص 31.
عندما تلامس الضمادات جلدي الحساس، أشعر بصدمات الألم تتسلل إلى عروقي.ص 67.
أحياناً أشعر وكأن جسمي كله يشتعل باللهيب من جديد.ص 131.
الألم يمتص كل شيء، يجردك من أوهامك، ويتركك عارياً أمام حقيقتك. ص 209 . ...إلخ
كل إشارة إلى الألم، أو ما يرادفه، تجديد لواقعة تعيش خارج تلافيف الذاكرة، لأن هناك واقعاً يصدمنا بالجاري فيه.
ما ينطلق منه الكاتب بداية، يوجه أنظارنا إلى الممكن النظر فيه، خارج دائرة المسمى، وتأمل عالمنا داخلاً وخارجاً:
( ثمة تجارب قاسية يحتاج المرء إلى وقت طويل للتخفف من تداعياتها أو التخلص من تأثيراتها.. هكذا أحاول الكتابة عن مأساة تعرضي للاحتراق.. جسدي لا ينسى. هو الأرشيف الوحيد الذي لا يتلف.. كل ندبة تنطق بما يعجز الإنسان عن قوله . ص 9 .).
هذه المكاشفة الموصولة بالألم المختبَر والمشتعل داخلاً، تطوّب حياة نعيشها، حيث الماضي يشدنا إليه، ونحن نمضي إلى الأمام:
أي حيث ( نبقى أسرى لذاكراتنا . ص 10).
الأسر مرئي ولامرئي، ليس من ميتافيزيقا في المقصود إطلاقاً، إنما هو الواقع الذي يكون متعدد الطيات، ليتم التلاعب به، والذين يعيشونه اجتماعياً، وما الحريق الذي استوقف الكاتب، وأبقى ذاكرته نهباً لعنفها، إلا المعرّي لحقيقة مسنودة اجتماعياً وسياسياً.
الأسر، ربمنا يقاوَم، يتم البحث عن أسلوب للهرب، للتخفي، سوى أن الألم رابض في كامل جسدنا، ويتنشط بصيغ شتى.
ولهذا، فهو حين يقول بلسان سارده، الذي يعنيه اسماً، ويتجاوزه اعتباراً رمزياً:
( ليس الخوف من الحريق، إنما من استحضار تفاصيله وتأثيراته، حيث الكلمات تسرّب ما ظنناه وانتهى، وتفتح الجراح كما لو أنها تخيطها بالإبر نفسها. ص 11).
لأن ليس هناك ما يُسر، ليتم استدعاؤه، أو الاحتفاء به، وإنما ما يخيف واقعاً، ما يجعله ساري المفعول في آخرين.
الكتابة لا تخفي مقدرتها على تنوير المعتم، وما يجعل من صوتها المعطوف على أحدهم، صوتاً للكائن الحي عموماً.
ولهذا، فإن الباحثة والفيلسوفة الفرنسية فاليري جيرار في بحثها: تجربة معاشة، تجربة مكتوبة، حول كتابات إيمري كيرتيش، أحسنت قولاً، وهي تضيء صفحة العلاقة بين ما يعيشه أحدنا ، وما تنطوي عليه الكتابة، بسردياتها الحية من معان:
( ما مرّ به المرء رغمًا عنه وخارجه يمكن أن يصبح تجربةً أساسيةً يُمكنه من خلالها توجيه نفسه في وجوده الخاص. يبدو البعد العملي للكتابة أساسيًا هنا: فالتحدي لا يقتصر على إدراك الحقائق أو نشرها، بل يمتد إلى بناء صلة مع الذات، ومع العالم، ومع الآخرين، ومع الأعمال الأخرى. هذا يعني أن كتابة حياة المرء أو عالمه لا تُعيد بناء الروابط في السرد فحسب، بل أيضًا من خلال فعل السرد نفسه: فالكتابة، مع مراعاة مادية العمل، وتلقيه، وسياقه الأدبي، هي نقش في العالم.).
لعلّي أشدد على مثل هذه الحقيقة رغم مرارتها، وهي أن الكتابة، كتابة التجربة، وبتلك الجدّية، تكون وشماً بارزاً في محيا الكاتب، إنه الوشم الذي يستنطق ما كان محفوراً بعمق، ومؤثراً إلى حد الصراخ، والتي تمارس فصلاً بين سرد وآخر، أو كاتب وآخر.
جرّاء الحريق الذي اشتعل فيه، والألم الذي ولَّده فيه، أصبح شاهد عيان على واقعة مكّنته من رؤية ما كان يغفل عنه سابقاً، ليكون الألم استشرافاً لعالم، لحياة، لواقع كامل، والزمن شريك في حفظ الحدث، وفي إبقائه " إلى الأمام ":
( الزمن لا يرمّم شيئاً، فقط يبدل أماكن الألم، يدرّبه على التخفي، ويمنحه قناع الاعتياد. ص 11 . ) .
وهكذا نقترب من حيث يكون البدء، ولادة لعنة، حريق الخيمة العسكرية التي فيها، وهو يؤدي الخدمة الإلزامية برتبة رقيب، في الجش السوري، في منطقة، لها خاصية كافكاوية، لعلها تذكرنا بـ" مستوطنة العقاب "( في شنشار، تلك البقعة الصحراوية المنسية التابعة لمدينة حمص، والواقعة على الطريق السريع بين حمص ودمشق مقابل ا يعرَف هناك بفتحة حمص.... أقول بمرارة وتندّر إن الثلث الأخير من شهر رمضان لم يكن عتقاً من النار بالنسبة لي، إنما كان حرقاً بالنار. ص 12 .).
المكان نفسه جحيميٌّ اعتباراً، والجاري فيه حريق مستمر، يلتهم ضحاياه على مدار الساعة، ويمكن تعميمه جغرافياً.
كل وصف مكاشفة لحقيقة ترتسم في ضوء مستجد، ونكون إزاء متواليات هندسية، ومضاعفة المأساة وأبعادها وكشوفاتها القيمية:
رعب النيران التي فتحت ثقباً في سقف الخيمة تسبب بحالة هلع قاتلة. ص 14.
تحولت حياتي إلى جحيم حقيقي..ص16
لم يكن الألم فقط في جسدي الذي تشوه بشكل لا يصدق، إنما امتد أيضاً إلى داخلي. ص 16 .
....
ثمة تلاعب بالزمان والمكان، تجنباً للتنميط، فهو متنقل بين الأمكنة من باب المقارنة. مثلاً، حين يذكر بما عليه سابقاً، حيث تتم استعادة
لحياته السابقة، وقد كان رياضياً..ودرس في معهد اللغة العربية بالحسكة." ص 18". .
الألم واليقظة المضاعفة
بقدر ما يكون الألم ماضياً في إيلامه، يعمّق الوجود مأساوياً، ويستدعي علاقات مختلفة، وتفحصها.
هناك نقاط ارتكاز. ليس هناك ما يلزم الكاتب باعتماد قواعد عمرانية معينة، إنما هو حساب تخيله الخاص، مرونة في مصادقة الألم الكامن، وتشغيله، وجعله، في حالات له، في مقام " روموت كونترول ". نعم، يمكن للألم أن يصبح " جهاز تحكم " بقوى النفس، رغم رعب المعنّى، وفظاعة المعتمل وجعاً في عموم الجسد، لأن للألم هبَاته، في تفجير المسكوت، وإضاءة المعتم.
مثلاً، حين يربط بين بدء التجنيد وقضم التفاحة التي اعطيت له، كغيره، وكانت سبباً في كسر سن له، لقساوتها( تجسدت أمامي صورة التفاحة القاسية التي قضمتها في ذلك اليوم. تذكرت الألم الذي شعرت به حينها. الألم الذي مازلت أشعر به الآن. ص 20 . ).
وليمضي إلى وصف العنف في الجيش، في " كلية المدفعية " كمثال" ص 21. ".
وما يحفّز فيه إرادة مجابهة ما كان، في ضوء ما حدث، فطي الحدث، كما هو اللغم، الذي ما أن تدوسه، وبحركة واحدة، ومعينة ينفجر، هكذا كانت واقعة حريق الخيمة التي كادت أن تودي به، لتصبح الخيمة هذه خيمة تستغرق جغرافيا بلد بكامله:
( كنا نشعر بأننا نعيش تحت قناع مفروض، قناع الوحدة الوطنية الذي يخفي الانقسامات العميقة التي كان النظام يعززها من خلال ممارساته الطائفية بشكل ممنهج.ص 22 .).
وما من شأنه تعرية وجوه الذين كانوا يتحكمون بمصائر الناس، في الجش وغيره، حال ذلك العميد الذي تم نقله من جهاز المخابرات إلى قطاع الجيش، عقوبة له، ليظهر أحقاده في الجنود " الغلابة " " ص 34 "
ومع كل دقيقة مضافة، يتسع سجل العنف الممنهج لرموز النظام، وتربيته على مستوى البلاد، ويكون للألم ما يعمّقه أكثر وأكثر:
( دوامة الألم تسحبني لقيعانها التي بدت لي عبارة عن طبقات أعمق من بعضها بعضاً. ص 47.).
مؤكد أن هذا التعبير الصريح بمحتواه، يترجم بؤس المردود، وسوء التعامل مع الآخرين، كما في التباطؤ في علاجه، وشعوره بالانسحاق، وما يترتب على كل مستجد من تنامي رصيد الألم وتزايد وتيرة العنف وتجلياته:
( فجعني الألم بذراه المتجددة، وأنه لم تكن هناك نقطة إشباع ينعدم بعدها الإحساس أو يتوقف.ص 54 .).
ليس مطلب تخيل، إن أشرنا إلى الطابع التركيبي للكتابة السردية، لفعل السرد الذي يحتفظ الألم له فيه بباع طويل، إنما ترجمان واقع، عرضة لنكبات وهزات وانتكاسات، وفي الوقت نفسه، لما يعلّم دائماً. فالألم الشديد الذي ينبه إلى نوعيته، يقابله تفكير محاط علماً بالراحة، أو الصحة، والموت المهدد، يستدعي الحياة ومعرفة فيها وحولها. بالطريقة هذه تصبح الذات معتركاً ومخاض رؤى.
ما تشير إليه الباحثة الأكاديمية الأرجنتينية ليونور أرفوش" 1945-2021" في مقالها اللافت" السيرة الذاتية والذكريات المؤلمة " يمنحنا يقيناً بما هو متجذر في " جسد " الرواية، وبلسان السارد، وما يشكل رأسمالاً رمزياً حياً نتأسى به كذلك:
( إن كون السرديات الذاتية، بطريقة ما، تُشكّل ذواتنا العابرة، يصبح أكثر حساسية إذا نظرنا إلى مسألة الذاكرة كعملية صياغة لتجارب الماضي، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بالتجارب المؤلمة. في ظل صعوبة ترجمة التجارب المؤلمة، التي ربما تكون شبه مخفية في الروتين اليومي، إلى لغة، وفي تحدّي التحدث من جديد، حيث تُعيد القوة الأدائية للغة الحياة، فإن تشكيل التاريخ الشخصي ومعناه ليسا القضية الوحيدة المطروحة. لسرد القصص بُعد علاجي أيضًا - الحاجة إلى التحدث، والسرد كعمل حزن - وبُعد أخلاقي جوهري: فهو يُعيد دورة الحوار، سواءً في الحضور أو الغياب الذي تفترضه الكتابة، ويُتيح لنا تقبّل السماع بكل ما يحمله من ثقلٍ كبيرٍ من مسؤولية تجاه الآخر. كما يُتيح لنا البدء في عبور الطريق الذي يقود من الفرد إلى الجماعة. الذاكرة هنا ممرٌّ إلزاميٌّ نحو التاريخ.).
لا تعود الرواية مجرد لقطة فنية، أو وديعة مأساة باسم معين، إنما مأثرة تاريخ، وملهمة معنيين بأمره، وموقعه.
حين يقول السارد( قد يغدو الألم دليل حياة. ص 54 .)، يخرج الرواية عن مجرد كونها كلمات تقال وينتهي أمرها، إنما كلمات تتردد ويكون لها أمرها، درساً حول المعيش اليومي، وحصاده الاجتماعي، والمعمول به سياسياً.
وحين يقول( أشعر كأن الألم ينبعث من أعماق الوجود، متسللاً إلى كل نواحي حياتي، ويشدني نحو هاوية غامضة.ص 56.)، يكون ذلك اعترافاً بوطأة الألم، إنما المتعة اللامسماة للواقع، وكيف يدار.
في المشفى، ثمة مجتمع مصغر، يعايَن عن قرب، والكاتب لا يخفي طرافة تتخلل سرده، وهي ليس مقحمة، بقدر ما يجري توظيفها، لما لها من قيمة ربما لا يفكَّر فيها دلالة، حين يُسأل الخاضع للعملية الجراحية، عما إذا كان أطلق ريحاً أو ضرطة، تعبيراً عن أن حياة تنبض في الداخل، فيقول:
( يا إلهي كيف يمكن للضرطة أو الفسوة أن تصبح لحظة أمل وتحفيز للمريض خلال رحلته نحو الشفاء.ص 78.).
الألم الذي يتأبد داخلاً
نعم، هوذا الألم جرس إنذار الزمن لمن يعيش الزمن فعلياً!
لهذا، من حق السارد، وبالطريقة، أو الكفاية السردية التي بنى بها روايته، أن يبقي الألم باسمه أو بما يشار إليه، وقد مارس الحريق في جسمه ما يجعله وشماً يستحيل التخلص منه، وشماً يستحيل التحرر من ذاكرته المرئية، وجذوره التي تتعمق في خلاياه وأنسجته، كما لو أننا إزاء جسد دولوزي، في كتاباته، أي حين أشار جيل دولوز إلى الجذمور" الريزوم " وهو عبارة عن نبتة تخرج بجوار جذع الشجرة، وتكبر، لتصبح هي الأخرى شجرة، وهكذا، لنكون إزاء غابة أشجابة" غابة آلام هنا " حين نلاحظ بسهولة ونحن نتحرى سيرورة ألمه وصيرورته، بأبعادها المكانية والزمانية، كما لو أنه في تقدم عمري، وحين، يعيش مخاض ولادة " جذمور ألم " من نوع آخر.
أليس هو الذي قال( ظل الألم رفيقي الوحيد وفي تلك الغرفة البيضاء المعقمة.ص 85 .)؟
أليس هو الذي قال ( أشعر أنني منفصل عن العالم.ص 100 .)؟
في السياق، يوسع الدائرة، وهي واسعة بسلبياتها، حين يشير إلى متناقضات الواقع، إلى الذين كانوا مساندين له في الحياة " أصدقاء مثل ماهر عكيد والكاتب الراحل حسن دريعي "، وما يخص أهله، وتأثيرهم عليه " جدته خاصة، ص 159 ".
وقبل ذلك حال الذين شملهم الإحصاء الجائر، بجعلهم أجانب أو مكتومي القيد من الكرد في السجل المدني السوري، في ستينيات القرن الماضي، كما في وضع الخال يوسف:
( وكأن الأرض التي يسكنها معتقل كبير يضيق به وعليه.ص 100 .).
وذلك من شأنه إبقاء الحريق نشطاً، وهو وقوده، حريق عصي على الانطفاء:
( هناك معاناة نفسية كارثية عانيت منها حينها، أحلم دائماً بالحريق، أشعر بالألم والخوف، أستيقظ من النوم مذعوراً ومتوتراً، وأكابد جرّاء الإرهاق الشديد دوماً.ص 112.).
أو ( الندوب على جسدي تذكرني دائماً بالحقيقة المؤلمة، أن الحياة ليست قابلة للتعويض.ص 123.)
الكتابة وهي منحة حياتية:
هناك استراتيجيا حياتية، لمن ينظر إلى الأفق البعيد، متعة التحرك والمغامرة، لمن يفكر في الجانب الآخر من البحر، ويفعّل قدراته الكامنة. الكاتب كان هكذا، وقد أصبح كاتباً، وقد أصبح معروفاً، وقد أصبح متجنساً بالجنسية البريطانية، وكلها خيارات لا تتحقق بيسر، إنما بجعل الألم نبراساً لرؤية الطريق وسلوكه، ولهذا، يكون لسان حاله، كما لو أنه قرار على جواب في هدوئه:
( بالتدريج أتقبل الواقع الجديد الذي خلقته الإشاعات حول حياتي.ص 140.)
وأكثر:
( أصبحت القراءة ملاذي الجديد.ص 148.)
وما يضعنا في مواجهة تعبيره:
( الكتابة أصبحت ترياقاً سحرياً .ص 173.) .
وهو يذكّرنا كباحث هنا، بما أفصح عنه جاك دريدا، عن أن " فارماكون " أي " الصيدلية " تعني" الداء والدواء " أو " السم والعقار "، ولا بد أن الكتابة هي هكذا، لا بد أنها استخلصت من الألم ما يجعلها دليل حياة، وكشافة حياة مختلفة، رغم كل ما عرِف به الألم، ألمه:
( الندوب وآثار الحروق تذكرني بالألم الذي عشته، وأتساءل حتى عن إمكانية القبول والمحبة، من قبل شريك حياتي المحتمل.ص 179.
هل المعاناة التي أعيشها هي اختبار لإيماني وصبري؟ أم هي صعوبة قدرت على التغلب عليها؟ لماذا أنا؟ لماذا يمتحنني الله بهذه القسوة..ص189 .) .
وما يعلّم:
( الحرية التي اكتسبتها من مواجهة الموت والنار، أصبحت الآن سلاحاً أحمله لحماية ابنتي.ص199.) .
في مكان ما قال بول فاليري في تأملاته الفلسفية: "الألم تساؤل، والمتعة استجابة".
يظهر أن الكاتب اشتغل على هاتين الصفحتين، صفحة الألم وصفحة المتعة. نتألم لنعيش متعة، ونستمتع، لوجود ألم مجاور.
نهاية النهاية
كاتبنا أنهى روايته" سيرته " في حدودها المرسومة " لكنه أبقى على الجهات مفتوحة فيها. لا أدل على ذلك من أنه، ربما برز بحماس بهيج، كما لو أنه لم يعش عذاب الحريق يوماً. تلك قفزة نوعية في رحابة الحياة، تلك هي الثمرة المحرمة، والأكثر ثراء وقبولاً وأهمية والمقطوفة من شجرة ما يكون محظوراً، أو يُخشى الاقتراب منها، لأنها مكلفة وموجعة، ثمة هذا الاكتشاف.
لكأن الألم الداء والدواء، إنه داء لمن ينكمش له أو أمامه، لكنه الدواء لمن يتصرف به، ويستولد كائناً حياتياً آخر داخله، ليس هو ما قبل " التجربة " تجربة خطيئة الآخرين النظامية القاتلة، إنما ما يجعله قدوة، دون استعراض، إنما دعوة حياتية، لمن يريد أن يكون كينونة لها موقعها الاعتباري، ولتكون عبارة " هل تجاوزنا الجحيم " استفساراً، ومساءلة ذاتية، وتبعاً لذائقة القارىء ونظرته إلى نفسه وموقعها في العالم، والكاتب يكون قد أفصح عن تجربته التي سمّت أشياء كثيرة، وضمناً ما يخص تغير الأوضاع، تغير البلد، وانهيار نظام الطاغية " ص 216 "، ومن خلال التذكير بالألم يكون سعيه في الحياة واكتشافها انتصاراً على الذات، وصولاً إلى حيث يمكنه القول، حيث ينتهي الكتاب ككتابة: بصوت عال إن الحياة كريمة بما يكفي لتعيشها كما يجب وكما نستحق.ص 218.
ومن خلال التذكير الذي يتنوع بمفرداته، ويثري بمرادفاته، التذكير بالألم يكون سعيه في الحياة واكتشافها انتصاراً على الذات، وصولاً إلى حيث يمكنه القول، حيث ينتهي الكتاب ككتابة: ( بصوت عال إن الحياة كريمة بما يكفي لتعيشها كما يجب وكما نستحق.ص 218. ) .
السيرة ناقصة، ولعل كل قارىء لها يعيشها ويكملها بطريقة، دون أن ينهيها، أو يسطّر سيرته، ويأتي غيره متصرفاً مثله وهكذا.
وربما تكون الحياة الجديرة بالتسمية تكون هكذا، أو وهي تكون مشتهاة هكذا، لحظة التذكير بما ورد بلسان " آني آرنو " في " كتابة الحياة "
( "كتابة الحياة. ليست حياتي، وليست حياته، ولا حتى حياة واحدة. الحياة، بمحتوياتها التي هي نفسها بالنسبة للجميع ولكننا نختبرها بشكل فردي: الجسد، التعليم، الانتماء والحالة الجنسية، المسار الاجتماعي، وجود الآخرين، المرض، الحداد. لم أكن أسعى إلى كتابة نفسي، أو إلى تحويل حياتي إلى عمل: لقد استخدمتها، الأحداث العادية عمومًا، التي مررت بها، والمواقف والمشاعر التي أُعطيت القدرة على معرفتها، كمواد لاستكشافها من أجل استيعاب وإلقاء الضوء على شيء من نوع الحقيقة الحساسة.).
المصدر: موقع الأنطولوجيا الإلكتروني
0 تعليقات