رواية بيير ولوس لرومان رولان بترجمة ماريانا ماسا
محمد فتيلينه
تشكل الترجمة كما هو معروف، الجسر الفني الذي يربط بين الأمم، من خلالها تنتقل الآداب من قطر إلى آخر بل من أمة إلى أخرى وتتلاشى فروق اللسان وتتبلور الإنسانية في أرقى صورها. هذا الجسر هو الذي يبدد سوء الفهم والجهل بالآخر، ويساهم في ردم هوة الخلاف والاختلاف المنبوذ بين الشعوب. وما أحوج القارئ العربي إلى نصوص تترجم إلى لغته، تجعله يتعرف ويعرف المزيد عن الآخر، خصوصا في هذه المرحلة الحساسة من المسار الزمني، أين ازداد الصراع الاثني والعرقي واللغوي. وإذا كان من الواجب أن ينبري لهذه المهمة العويصة (الترجمة) كتّابٌ عربٌ (لسانا وثقافة)، فإن من المهم أيضا تشجيع الآخرين من جنسيات غير عربية، حين ينقلون إلى القارئ العربي، آدابهم ومعارفهم إلى لغة الضاد. ومن بين هؤلاء المترجمة والباحثة الإيطالية ماريانا ماسا، التي قامت بترجمة رواية "بيير ولوس" للروائي الفرنسي "رومان رولان" الحائز على جائزة نوبل للأدب سنة 1915، من اللغة الفرنسية إلى العربية، التي صدرت مطلع العام عن دار دوّن للنشر بالقاهرة. بهذا ساهمت أولا، في التعريف بالمؤلف-الذي يجهله الكثيرون من قراء العربية-وفي التعريف بمنتوجه الروائي، وهو ما يُسهم في تشكيل صورة ولو صغيرة عن التراث الروائي الفرنسي مع مطلع القرن العشرين، بعيدا عن الأسماء الروائية المعروفة.
فكرة الرواية:
بيير شاب فرنسي، بلغ في يناير 1918 الـ ثامن عشرة، وهي السن التي يتم فيها استدعاء الشباب إلى الخدمة العسكرية. أحبّ هذا الشاب الفتاة "لوس": ومعناها النور بالفرنسية ".
المكان مترو الأنفاق في باريس، بينما الزمان في قلب الشتاء (يناير) 1918.
يتحدث الراوي العليم عن فترة المراهقة التي يمر بها بيير، مصوّرا مدى اختلافها عن غيره من مجايليه. مبرزا قطار الانفاق كفضاء يتبلور داخله تقلب أمزجة الباريسيين، قبيل أفول الحرب العظمى الأولى (وليس عسيرا أن يكون توظيف القطار كمسار للوصول إلى الهدف أو النهاية صورة مصغرة عن مسار حياته، مقتربا من النهاية وليست إلا هدفا في الأخير). كأن خطابا ما يتماهى مع هذه الصورة المفتاحية للنص في فصول الرواية المترابطة بشكل يجعلها تشكل مثالا للنصوص الكلاسيكية في مسارها الخطي زمنيا وحدثا.
يبرز التسامح (من وجهة نظر أوروبية) في ثنايا النص، عبر توظيف شخصية ميشال دو لوسبيتال، الشخصية الواقعية التي حاولت التقريب بين الكاثوليك والبروتستانت في سبيل إيجاد قنطرة للتعايش الديني وانهاء الصدام المذهبي.
من العبارات الجميلة التي شدّتني كقارئ، ووظّفتها المُترجمة على ما يبدو بشكل واعي ومدروس: (أما الديانة الجديدة فهي تُريد كل شيء، ولن ترضى بأقل من ذلك، إنها تريد الانسان بأكمله جسدا ودما وحياة وفكرا/ ص: 17)، (الحياة تعني أن تفع على الدوام/ ص: 49)، (مسكينة اليونان التي تحتضر، ماذا سيبقى منها؟ / ص: 129)، (بقيت أصابعهما متشابكة مثل سلة من الخيزران. كانا لحما واحدا، تعبره أمواج الموسيقى وتجعله يرتعش/ 136)

التأثر بالموروث العربي اللغوي وتوظيفه:
خلق مرونة بين لغة النص الأصلي واللغة المُترجم إليها تكون عادة عقبة كؤود أمام أي مترجم، خصوصا إذا كانت اللغة التي ترجم إليها النص العربية، نظرا للفارق بين البنى الشكلية للجمل وعلاقة ذلك بالمعني والبيان. كل تلك الصعوبات لم تكن لتمنع المترجمة على ما يبدو، من تكييف العديد من الجمل من الفرنسية إلى العربية، وتلوينها بلون تراثي وايقاعي، تُعرف به العربية في بيانها وفي بديعها، من خلال كلمات ومفردات بدت لي أقرب إلى سياقات عربية كلاسيكية:
- فوق كل ذلك، كانت مدينة باريس... الثلج... ليالي يناير الباردة… كابوس الحياة والموت، والحرب.
- في تلك الفسحة الزمنية بين السادسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، تحيا الروح عادةً بالأحلام والفنون حاملةً داخلها بعضاً من روح هاملت.
- إنهم يحتاجون إلى الهدوء والعزلة في ربيع العمر.
- فجأة، اغتيلت الأسئلة التي تزاحمت على شفتيه.
- كان بيير يترك هذه الدندنة تهدهده، فإنها مثل رنين دبور ذهبي يحلق في ظلام الوجود...
- يا له من تعب! كم مرة خابت آمال الناس
- غير أنها في معظم الحالات كانت تعود خاوية الوفاض...
- يا لصدق عيونهما!
- تثني رقبتها بإيقاع من الغنج وقليل من الدلال...
- طفلان وقوران ينوآن بأثقال القدر...
- لأنها غير مبالية بمرور الزمن، كالنهير الذي يجري ويغني...
- الأمر متروك للزمن، والله أعلم؟
- الكثير من الانفجارات هزت المدينة
على الصعيد الإنساني لفتتني ترجمة إعلان استقلال العقل (ص: 141)، وكان مهما أن توقّع عليه أسماء مهمة كـ طاغور وتوماس مان وهيرمان هيسه والكثير ممن احصلوا على جائزة نوبل في الأدب (فيما بعد).
رغم أن هناك بعض الأخطاء في التحرير من قبيل:
ص 22: (كرجال جائعون ينظرون لمن يشرب)/ الأفضل كعطشى ينظرون إلى من يشرب
ص 44: (... بين فروع الأشجار العارية)/ الأفضل: يسيران بين فروع ...
إلا أن النسخة العربية بمقارنتها بالفرنسية، نقلت حيثيات النص بشكل يكاد يكون موضوعيا وصادقا إلى حد بعيد. ولكون هذه الترجمة ليست الأولى للمترجمة (في حدود علمي)، إلا أنها تستحق الإشادة، ويستحق النص أكثر من قراءة لسلاسته ونقله للثيمة وللأفكار بصدق فني وأدبي كبيرين.
ماريانّا ماسّا
هي مترجمة إيطالية حرة منذ عام ٢٠٠٨، صدرت لها ترجمتين من العربية إلى الإيطالية، ”أنغام البيانو“، لأبو المعاطي أبو شارب (صدرت عن دار نشر Cosmo Iannone)، و“العار على الضفتين“ لعزت القمحاوي (صدرت عن دار نشر Edizioni Ensemble).
تعاونت مع إسلام فوزي-قسم اللغة الإيطالية في كلية الألسن - عين شمس، في الترجمة العربية للرواية التاريخية الإيطالية ”حذارٍ من جوعي“، لوشيانا كاستيلينا وميلينا أغوس (دار نشر العربي)،. ولها ترجمة رواية” بيير ولوس“من الفرنسية إلى العربية مع دار دوّن للنشر والتوزيع.
كما ترجمت مجموعة من الكتب للأطفال من العربية إلى الإيطالية لهيئة الشارقة للكتاب، من المتوقع إصدارها في عام 2021.
تعمل خصيصًا في مجال الترجمة السمعي بصرية من العربية إلى الإنجليزية وإلى الإيطالية وترجمت أكثر من أربعين فيلم من بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والأفلام الوثائقية والأفلام الدعائية. ومن ضمن أبرز ترجماتها السمعي بصرية بعض الأفلام للمخرج مروان حامد” الفيل الأزرق ٢“،” تراب الماس“و“الأصليين“، وفيلم” الضيف“، إخراج هادي الباجوري، تأليف إبراهيم عيسى، وبعض الحلقات من مسلسل” أرشيفهم وتاريخنا“، ومن مسلسل ”أصدقاء العرب“ من إنتاج قناة الجزيرة.
تعمل أيضًا مترجمة فورية من العربية إلى الإيطالية لجهات مختلفة، وتتعاون مع مكاتب السفارة الإيطالية في مصر، وبالأخص مع المكتب الثقافي والمكتب الأثري، وأيضًا مع شركات ترجمة في إيطاليا
حصلت عـلى ماجستير في كلية العلوم العربية الإسلامية من جامعة” L’Orientale“ في نابولي بتخصص في الأدب العربي المعاصر، كما حصلت على شهاداتين في الترجمة الصحفية والسمعبصرية من الجامعة الأمريكية في القاهرة.
0 تعليقات