القاهرة - صدرت رواية «مزكين… شمالية تاج الحياء» للروائي الكردي السوري جمهور الإبراهيم، عن دار الباسل للنشر والتوزيع، في طبعتها الأولى لعام 2025، في 224 صفحة من القطع المتوسط.

يمثل هذا العمل باكورة الإصدارات الأدبية للكاتب، مفتتحًا مساره الروائي بنص كثيف الدلالات، يتقاطع فيه الريفي بالسياسي، والواقعي بالرمزي، واليومي بالأسطوري.

تدور أحداث الرواية في قرية تركية متخيّلة تُدعى «كاراجالي»، حيث تعيش البطلة «مزكين»، حفيدة الشيخ «سعيد بيران»، في عزلة شبه كاملة بعد أن فقدت عائلتها إثر التحاقهم بـ«مقاومة الجبال». هذا الفقدان لا يُروى بوصفه حدثًا عابرًا، بل يتحول إلى خلفية نفسية واجتماعية تؤسس لشخصية امرأة وحيدة، تقتات على بيع القبور في مقبرتها الخاصة، وتعيش بين بقرتها ونعاجها وجارتها العجوز «أم جميل».

من الصفحات الأولى، يفتتح الكاتب الرواية بمشهد صباحي حميمي في مطبخ مزكين، حيث يتداخل عبق القهوة والكاكاو مع حديث القريتين عن العاصمة «أنقرة» وأحوال الريف، وصولًا إلى جائحة «كورونا» التي ترد في السرد بلهجتها الشعبية المشوّهة، في دلالة على المسافة بين المركز والهامش، بين العالم الكبير وقرية تبدو منسية على أطراف الجغرافيا والتاريخ

تتخذ الرواية من «وردة التوليب» ثيمة مركزية تتفرع عنها شبكة من الرموز. تعثر مزكين، بعد حادث انقلاب سيارة قرب القرية، على حقيبة فضية تحوي بذورًا غامضة. هذا الاكتشاف يشكل نقطة انعطاف سردية، إذ تتحول البذور إلى أمل سري، وإلى مشروع خلاص فردي في حياة امرأة أُنهكت بالفقد.

تزرع مزكين بعض البذور قرب قبر زوجها «قجب»، في مشهد يمزج بين الكراهية والحنين والانتقام الرمزي. لاحقًا، تنمو زهرات توليب ذات عبق غير مألوف، يشبه رائحة الشوكولا الداكنة، ما يضفي على النص بعدًا شبه سحري، يقترب من الواقعية العجائبية دون أن ينفصل عن الأرض الاجتماعية الصلبة التي ينطلق منها السرد

الزهرة هنا ليست تفصيلاً جمالياً؛ إنها وعد بالتحول، بإمكانية قلب المعادلة الطبقية في القرية، وبحلم امتلاك «غسالة أوتوماتيك» و«غسالة أطباق» في بيت امرأة عاشت سبعة عشر عامًا في الريف وهي تعصر الملابس بيديها. الطموح البسيط يتحول إلى مرآة لحرمان طويل، وإلى نقد مبطن لفوارق اجتماعية داخل فضاء قروي يهيمن عليه «آل بدرخان» واللواء «حكمت».

في منعطف سردي لافت، ينتقل النص إلى «أمستردام»، حيث يجري حوار بين صاحب مزرعة توليب هولندي يُدعى «مارتن» ومهندس يُدعى «والت» حول تطوير نوع جديد من التوليب يتحمل المناخ القاسي ويزرع على مدار السنة، مقابل صفقة مالية كبيرة.

هذا الخط السردي الموازي يفتح الرواية على أفق عابر للحدود، ويربط زهرة القرية الهامشية بسوق عالمي تتحكم فيه المصالح والبيوتات الزراعية الكبرى.

المفارقة أن «والت» يشير إلى «آمد» (دياربكر) بوصفها مكان إجازته، في تقاطع دلالي بين المركز الأوروبي والهامش الكردي، وكأن الرواية تلمح إلى شبكة خفية تربط البذور التي تصل إلى مزكين بعالم اقتصادي معولم، حيث تتحول الزهرة إلى سلعة، فيما تراها الأرملة معجزة أو فرصة خلاص.

يعتمد جمهور الإبراهيم على لغة تميل إلى السرد التفصيلي المشهدي، مع حوارات مكثفة تنقل إيقاع القرية وأصوات نسائها. تتجاور السخرية مع القسوة، كما في مشهد زيارة مزكين لقبر زوجها، حيث يتفجر خطاب داخلي يعرّي علاقة زوجية قائمة على الألم والظلم، ويكشف جانبًا قاتمًا من حياة البطلة

الرواية ترسم شخصية نسائية مركبة: مزكين ليست ضحية صامتة، بل امرأة تتأرجح بين الحقد والحلم، بين واقعية فظة ونزوع إلى الأسطورة. بيع القبور، زراعة التوليب، الحلم بالأجهزة المنزلية، كراهية الزوج الراحل، كلها عناصر تتداخل لتشكّل بورتريهًا لامرأة تعيد تعريف ذاتها داخل فضاء يضيق بها.

شاركت الرواية ضمن إصدارات دار الباسل في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026، حيث عُرضت بوصفها عملاً أول لكاتب كردي سوري يقدّم رؤية سردية تنطلق من الريف التركي-الكردي، وتتقاطع مع أسئلة الهوية والاقتلاع والعولمة.

بهذا العمل، يضع جمهور الإبراهيم قدمه في المشهد الروائي عبر نص يتخذ من زهرة التوليب مدخلاً لسرد حكاية امرأة وقرية، فيما تمتد جذور الحكاية إلى خرائط أوسع، تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والذاكرة. «مزكين… شمالية تاج الحياء» رواية عن الهامش حين يكتشف صدفةً بذرة قد تغيّر مصيره، أو تكشف له هشاشة أحلامه في مواجهة عالم أكبر بكثير من حدود كاراجالي.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم