موجة الترجمة الأدبية: كيف تعيد الصحافة البريطانية رسم خريطة الرواية العالمية؟
لندن - في الأسابيع الأخيرة، خصّصت صحيفة الغارديان البريطانية ملفاً نقدياً موسعاً لمراجعة أبرز الروايات المترجمة حديثاً إلى اللغة الإنكليزية، في إشارة واضحة إلى اتساع حضور الأدب غير الأنغلوفوني في السوق الثقافية البريطانية. التقرير، الذي حمل عنواناً قريباً من “أفضل الأعمال الأدبية المترجمة حديثاً”، لم يكتفِ بعرض عناوين جديدة، بل قرأ الظاهرة بوصفها تحوّلاً مستمراً في ذائقة القارئ البريطاني، وفي سياسات النشر ذاتها.
ما يهم القارئ العربي هنا أن هذه الموجة لا تتعلق بترجمة “أسماء معروفة” فحسب، وإنما بأصوات روائية قادمة من لغات ومساحات ثقافية بعيدة عن المركز التقليدي للنشر الإنكليزي. من بين الأعمال التي تناولتها الغارديان:
«الطحلب الأبيض» (White Moss) للكاتبة الروسية آنا نيركاغي، بترجمة إيرينا سادوفينا، عن دار بوشكين برس. الرواية تنقل القارئ إلى بيئة القطب الشمالي الروسي، حيث تعيش مجتمعات بدوية في مواجهة تحولات اجتماعية ومناخية قاسية. العمل لا يقدم “غرابة جغرافية”، بل سرداً إنسانياً مكثفاً عن العزلة والصمود والتحول الثقافي.
«النار القديمة» (The Old Fire) للكاتبة إليزا شوا دوسابين، ترجمة أنيزا عباس هيغينز، عن دار دونت. النص يتتبع علاقة شقيقين بعد وفاة والدهما، في حكاية تدور بين الولايات المتحدة وجنوب فرنسا، وتبحث في الذاكرة العائلية والهشاشة النفسية.
«السقف تحت أقدامهم» (The Roof Beneath Their Feet) للكاتبة الهندية غيتانجالي شري، بترجمة راهول سوني، عن دار And Other Stories. الرواية تنسج طبقات سردية متعددة حول العائلة، والهوية، واللغة، وتستعيد أسئلة الانتماء في مجتمع متغير.
هذه الأمثلة تكشف اتجاهاً واضحاً: دور النشر البريطانية لم تعد تنظر إلى الترجمة باعتبارها هامشاً تجريبياً، وإنما مساحة حيوية لتجديد السرد المحلي نفسه. دار بوشكين برس، على سبيل المثال، بنت سمعتها خلال العقدين الأخيرين على إعادة تقديم الأدب الروسي والشرقي الأوروبي بترجمات رفيعة المستوى، بينما تركز دار And Other Stories على جلب نصوص من لغات أقل حضوراً في السوق الإنكليزية، مع اهتمام خاص بالمترجمين كشركاء إبداعيين.
ما الذي تغيّر في السوق؟
تاريخياً، كانت نسبة الكتب المترجمة إلى الإنكليزية في بريطانيا والولايات المتحدة منخفضة مقارنة باللغات الأوروبية الأخرى. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلاً تدريجياً، مدفوعاً بعدة عوامل:
الجوائز الأدبية الدولية
جائزة “البوكر الدولية” (International Booker Prize) لعبت دوراً محورياً في رفع مكانة الترجمة. حين تفوز رواية مترجمة، يتقاسم الكاتب والمترجم الجائزة، في إشارة إلى الاعتراف بالدور الإبداعي للترجمة. هذا التقدير انعكس مباشرة على مبيعات الكتب المترجمة.
تبدّل الذائقة القرائية
القارئ البريطاني، خصوصاً الأجيال الشابة، أصبح أكثر انفتاحاً على سرديات تعكس تجارب خارج أوروبا الغربية وأميركا الشمالية. هناك اهتمام متزايد بقصص الهجرة، الذاكرة الاستعمارية، التحولات الاجتماعية، وأدب الأقليات.
حضور المترجم كاسم فاعل
لم يعد اسم المترجم يُذكر في الهوامش. في مراجعات الغارديان، يُشار إلى المترجم بوصفه شريكاً في صناعة النص. إيرينا سادوفينا، أنيزا عباس هيغينز، وراهول سوني، جميعهم يُعاملون كأصوات أدبية تنقل النص إلى لغة جديدة بحساسية ثقافية دقيقة.
الاهتمام البريطاني المتزايد بالترجمة يفتح نافذة مهمة للأدب العربي أيضاً. خلال السنوات الماضية، شهدنا حضوراً لافتاً لروايات عربية مترجمة في قوائم الجوائز الدولية، كما حدث مع أعمال جوخة الحارثي، عدنية شبلي، وغيرهما. ومع تصاعد هذا الاتجاه، يصبح السؤال المطروح: هل تستطيع دور النشر العربية ومشاريع الترجمة المحلية الاستفادة من هذه اللحظة؟
التجربة البريطانية تشير إلى أن نجاح الترجمة لا يقوم على “التصدير الثقافي” وحده، وإنما على بناء شبكة متكاملة: محررون متخصصون، مترجمون محترفون، ودور نشر مستعدة للاستثمار طويل الأمد في نصوص لا تنتمي إلى التيار السائد.
تصف الغارديان هذا الاتجاه بوصفه توسعاً في أفق القراءة العالمية. حين يقرأ القارئ البريطاني رواية من القطب الروسي أو من الهند أو من كوريا الجنوبية، فإنه يعيد تعريف ما يعنيه “الأدب العالمي”. لم تعد الرواية العالمية تعني ترجمة الأدب الفرنسي أو الألماني فقط، بل الانفتاح على أطراف جغرافية وثقافية جديدة.
من منظور ثقافي أوسع، يمكن النظر إلى هذه الموجة بوصفها استجابة لحالة عالمية من التشظي السياسي والثقافي. في زمن الانقسامات، تصبح الترجمة أداة للتقارب، إذ تمنح القارئ فرصة اختبار تجارب الآخرين عبر اللغة.
المؤشرات الحالية توحي بأننا أمام تحوّل مستمر. قوائم الكتب المنتظرة لعام 2026 في الصحافة البريطانية تتضمن عدداً ملحوظاً من الروايات المترجمة. كما أن تقارير الصناعة تشير إلى استثمارات جديدة في أقسام الترجمة داخل دور النشر الكبرى.
غير أن التحدي يبقى في الاستدامة: الحفاظ على جودة الترجمة، وضمان عدم اختزال النصوص القادمة من ثقافات أخرى في صورة “غرائبية” تسويقية. النجاح الحقيقي يكمن في تقديم هذه الأعمال كجزء طبيعي من المشهد الأدبي، لا كاستثناء.
الصحافة الثقافية البريطانية، عبر مراجعاتها الأخيرة، ترسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ النشر الأنغلوفوني. مرحلة تتسع فيها الحدود اللغوية، ويُعاد فيها تعريف مركزية اللغة الإنكليزية. بالنسبة للقارئ العربي، هذه اللحظة تحمل فرصة وتأملاً في آن واحد: فرصة لانتشار الأدب العربي في فضاءات أوسع، وتأملاً في الدور الذي تلعبه الترجمة في صياغة صورة الثقافة أمام العالم.
المصدر:
صحيفة The Guardian، قسم الكتب – مراجعة “أفضل الأعمال الأدبية المترجمة حديثاً”، يناير/كانون
0 تعليقات