لندن - نشرت صحيفة الغارديان في الأول من مايو/أيار 2026 حواراً مطولاً مع الروائية اليابانية-الأميركية كاتي كيتامورا، صاحبة رواية «الاختبارات الحميمية» و«الانفصالات». بدا الحوار أبعد من حديث ترويجي عن رواية جديدة، أقرب إلى تأمل طويل في معنى القراءة نفسها، وفي قدرة الأدب على زعزعة القارئ لا مواساته. قالت كيتامورا إن الكتّاب الذين تحبهم هم أولئك الذين “يغيّرون رأيها”، وإن القراءة التي تؤكد ما نعرفه مسبقاً تفقد قيمتها العميقة.

هذا التصريح يفتح باباً واسعاً للسؤال عن وظيفة الرواية اليوم، في زمن تحوّلت فيه المنصات الرقمية إلى غرف صدى مغلقة، تعيد على الإنسان قناعاته نفسها، وتغذّي انحيازاته اليومية عبر الخوارزميات. القارئ المعاصر يعيش داخل منظومة تكنولوجية مصممة لتقليل المفاجأة، وتقليص التناقض، ومنع الصدمة الفكرية. كل شيء يجري توجيهه نحو “الراحة النفسية”، حتى الثقافة نفسها صارت تُستهلك بوصفها امتداداً للهوية الشخصية، لا بوصفها رحلة نحو المجهول.

الرواية العظيمة كانت تاريخياً مساحة للقلق، لا للطمأنينة. منذ فيودور دوستويفسكي حتى فرجينيا وولف، لم تكن القراءة تمريناً أخلاقياً بسيطاً، وإنما مواجهة مع هشاشة الإنسان وتناقضاته. حين يقرأ القارئ «الإخوة كارامازوف» أو «إلى المنارة»، فإنه لا يخرج أكثر يقيناً، وإنما أكثر ارتباكاً أمام تعقيد النفس البشرية.

حديث كيتامورا يكشف أيضاً أزمة الرواية داخل الثقافة الرقمية الجديدة. هناك ضغط متزايد على الكاتب كي يتحول إلى “منتج هوية”، وأن يكتب ما يتوافق مع جمهوره المفترض، أو مع البيئة السياسية والثقافية التي ينتمي إليها. لهذا تزداد الروايات التي تشبه البيانات الأخلاقية، أو النصوص المصممة مسبقاً لإرضاء جمهور بعينه. الأدب هنا يتحول إلى منطقة تأكيد، لا إلى مساحة اكتشاف.

ما تقوله كيتامورا يعيد الاعتبار لفكرة قديمة وأساسية: الرواية الحقيقية تُربك قارئها. القارئ الذي ينتهي من رواية عظيمة وهو الشخص نفسه الذي بدأها، لم يعبر التجربة فعلاً. لهذا بقيت أعمال فرانز كافكا ومارسيل بروست وتوني موريسون حيّة، لأنها لا تمنح القارئ خلاصات جاهزة، وإنما تدفعه إلى إعادة التفكير باللغة والذاكرة والجسد والسلطة والحب.

في العالم العربي، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحاً. كثير من الروايات العربية المعاصرة ما تزال أسيرة الخطاب المباشر أو الرسائل السياسية الواضحة أو “الموقف” المسبق. القارئ يدخل النص وهو يعرف غالباً ما سيقوله الكاتب، وكيف سيفكر، وما النتيجة الأخلاقية التي يريد الوصول إليها. هذا يضعف قدرة الرواية على خلق الدهشة الداخلية. الرواية التي تشرح كثيراً، وتدين كثيراً، وتفسّر كل شيء، تفقد غموضها الضروري.

يمكن أيضاً قراءة تصريحات كيتامورا ضمن تحولات أوسع في الثقافة الغربية نفسها. بعد سنوات من النقاشات حول “القراءة الآمنة”، و”التحذيرات المسبقة”، و”التمثيل الأخلاقي”، بدأ بعض الكتّاب والنقاد يعودون للدفاع عن الأدب بوصفه مساحة للمخاطرة الفكرية. الرواية لم تُخلق كي تحمي القارئ من التناقض، وإنما كي تدفعه نحوه.

اللافت أن هذا النقاش يظهر بقوة في وقت تتراجع فيه معدلات القراءة الطويلة، وتتقلص قدرة الناس على التركيز العميق. القراءة نفسها أصبحت فعلاً مقاوماً للإيقاع الرقمي السريع. الرواية الطويلة اليوم تنافس الهاتف، والتنبيهات، والفيديو القصير، وثقافة الاستهلاك الفوري. لذلك يبدو دفاع كيتامورا عن القراءة دفاعاً عن شكل مختلف من الوعي الإنساني.

حين تقول إن الكاتب الحقيقي يغيّر رأيها، فهي تشير ضمناً إلى أزمة العالم المعاصر مع الشك. السياسة الحديثة قائمة على الاستقطاب، والمنصات قائمة على التحيز، والإعلام قائم على الاصطفاف. الأدب بقي من المساحات القليلة التي تسمح للإنسان بأن يكون متناقضاً وغير مكتمل.

في هذا المعنى، تتحول الرواية إلى تدريب على الإنسانية نفسها. القارئ لا يبحث عن نسخة أخرى من ذاته، وإنما عن حياة أخرى، وصوت آخر، وربما عن خطأ جديد يكتشفه في نفسه.

المصدر:
حوار الغارديان مع كاتي كيتامورا

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم