الترجمة والعدالة الثقافية: أوروبا تفتح نافذة للأدب المهمَّش عالمياً
لندن - في تقرير حديث نشرته مجلة The Economist ضمن قسم الثقافة بتاريخ 19 فبراير 2026 بعنوان:
“The politics of translation: bringing small literatures to a global audience”
تناولت المجلة إطلاق برامج أوروبية موسّعة لدعم ترجمة الأدب المكتوب بلغات قليلة الانتشار إلى الإنجليزية والفرنسية، في خطوة تهدف إلى إعادة التوازن إلى سوق النشر الدولي الذي تهيمن عليه اللغات الكبرى.
يشير التقرير إلى أن المبادرات الجديدة تستهدف آدابًا كاملة ظلت خارج التداول العالمي بسبب الحاجز اللغوي، رغم غناها الفني والإنساني. ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير كتاب مترجَم حديثًا بعنوان “Nordic Fauna” للكاتبة الآيسلندية سولفيغ بالدورسدوتير (Solveig Baldursdóttir)، الذي حصل على دعم ترجمة ضمن برنامج أوروبي معني بالأدب المكتوب بلغات محدودة الانتشار. ترى المجلة أن نجاح مثل هذه الأعمال يبرهن على أن العائق أمام انتشار كثير من الآداب ليس ضعفها الفني، وإنما غياب البنية المؤسسية التي تنقلها إلى القارئ العالمي.
ويؤكد التقرير أن هذه البرامج لا تكتفي بتمويل عملية الترجمة نفسها، وإنما تشمل شراء الحقوق، وتدريب مترجمين متخصصين، وربط النصوص بدور نشر دولية قادرة على التوزيع والتسويق. بهذه الطريقة تتحول الترجمة إلى سياسة ثقافية متكاملة، تسعى إلى كسر احتكار اللغات الكبرى لمسارات الاعتراف الأدبي.
في هذا السياق، يكتسب الأدب العربي أهمية خاصة. فرغم الامتداد التاريخي الهائل للإبداع العربي، ما تزال نسبة الأعمال المترجمة إلى الإنجليزية محدودة مقارنة بآداب أخرى. وغالبًا ما تصل إلى القارئ الغربي نصوص تتعلق بموضوعات بعينها مثل الحروب أو الهجرة، بينما يبقى جانب واسع من التجارب الروائية والشعرية خارج المشهد. البرامج الجديدة قد تتيح تقديم صورة أكثر تنوعًا، تشمل الرواية الاجتماعية والفانتازيا والتجريب السردي وأدب المدن والتحولات اليومية.
أما الأدب الكردي فيواجه تحديات مضاعفة، تتعلق بتعدد اللهجات والأنظمة الكتابية وتوزعه الجغرافي بين عدة دول، إضافة إلى غياب مؤسسات نشر وترجمة مستقرة. كثير من الأعمال الكردية البارزة لم تُنقل حتى إلى لغات إقليمية مجاورة، ما يجعل حضورها العالمي محدودًا للغاية. لذلك فإن إدراج هذا الأدب ضمن برامج الترجمة الأوروبية يمكن أن يفتح أفقًا جديدًا للتعريف بثقافة كاملة، تمتلك تقاليد شعرية وسردية عميقة تمتد من الملحمة الشفوية إلى الرواية الحديثة.
يشير التقرير كذلك إلى أن الاهتمام الأوروبي باللغات المهددة يرتبط بقلق أوسع بشأن تراجع التنوع الثقافي في عصر العولمة الرقمية. فالسوق العالمية تميل إلى تفضيل النصوص القابلة للتسويق الواسع، ما يؤدي إلى تكرار نماذج سردية متشابهة. دعم الترجمة من لغات صغيرة يسهم في إدخال رؤى مختلفة للعالم، لأن كل لغة تحمل تصورًا خاصًا للزمن والذاكرة والعلاقة بالمكان.
كما ترى المجلة أن المترجم أصبح عنصرًا محوريًا في نجاح النص عالميًا، إذ تتوقف عليه قدرة العمل على الاحتفاظ بنبرته وأسلوبه. بعض الجوائز الأدبية باتت تمنح الجائزة للكاتب والمترجم معًا، اعترافًا بالدور الإبداعي للترجمة في إنتاج النص الجديد.
بالنسبة للقارئ العربي، يفتح هذا التحول احتمال انتقال عدد أكبر من الأعمال العربية إلى دائرة القراءة الدولية، خاصة من مناطق قلّ حضورها في الترجمة سابقًا مثل الخليج والسودان واليمن. وفي السياق الكردي، يمكن أن يتيح وصول نصوص تتناول الذاكرة والمنفى والتحولات الاجتماعية إلى جمهور أوسع، ما يحررها من القراءة السياسية الضيقة ويمنحها موقعًا داخل الأدب العالمي.
تكشف هذه المبادرات عن تحول عميق في فهم وظيفة الترجمة: لم تعد وسيلة لنقل أعمال ناجحة فحسب، وإنما أداة لإعادة تشكيل ما يُقرأ عالميًا وما يُعتبر جزءًا من التراث الإنساني المشترك. وإذا استمرت هذه البرامج في التوسع، فقد تشهد السنوات المقبلة دخول أصوات جديدة من الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا إلى صدارة المشهد الأدبي الدولي.
0 تعليقات