خالد المرعيد: الرواية يمكن أن تصبح مساراً موازياً للكتابة التاريخية
يعود المؤرّخ والروائي السعودي خالد المرعيد في روايته «ظلّ الرمال»، إلى مرحلة مفصلية من تاريخ نجد والسعودية، مستنداً إلى سيرة جدّه تركي بن ماجد بن مرعيد، وإلى ذاكرة عائلية تتقاطع مع أحداث شهدت سقوط الدولة السعودية الثانية وقيام الدولة السعودية الثالثة، وصولاً إلى استعادة الرياض عام 1319هـ. وتتجاوز استعادة الماضي في الرواية تتبّع الوقائع الكبرى، لتقترب من الإنسان الذي عاشها، بما رافق حياته من خوف وانتظار وفقد وولاء وأمل، وما اتخذه من مواقف في أزمنة لم تكن نتائجها معروفة لأصحابها.
يأتي هذا العمل بعد مسيرة طويلة انشغل خلالها المرعيد بالتاريخ السعودي والبحث في أبعاده السياسية والعسكرية، إلى جانب خمسة وثلاثين عاماً أمضاها في الحرس الوطني، وهي تجربة أتاحت له معرفة قريبة بعالم القيادة والقرار والمسؤولية والعمل العسكري.
وفي «ظلّ الرمال» يلتقي المؤرخ بالروائي؛ يحافظ الأول على حدود الوقائع المعروفة، فيما يسعى الثاني إلى استنطاق المساحات التي تصمت عنها الوثائق، واستعادة تفاصيل الحياة التي دارت حول الأحداث الكبرى، وأصوات الرجال والنساء والعائلات الذين شاركوا في صناعة زمنهم أو تحملوا تبعات تحولاته.
في هذا الحوار يتحدّث خالد المرعيد عن انتقال السيرة العائلية إلى فضاء الرواية، وعن العلاقة الدقيقة بين الوثيقة والخيال، وحضور استعادة الرياض في العمل، ودور النساء والعائلات في الذاكرة التاريخية، كما يتوقف عند أثر تجربته العسكرية في رؤيته للشجاعة والخطر والقرار، وإمكان أن تتحول الرواية بعد «ظلّ الرمال» إلى مسار موازٍ في مشروعه الكتابي.
س - تنطلق رواية «ظلّ الرمال» من سيرة جدّكم تركي بن ماجد بن مرعيد، ومن ذاكرة عائلية تتقاطع مع تاريخ السعودية؛ متى شعرتم أن هذه السيرة يمكن أن تتحول إلى رواية؟
ج - ظلت سيرة الجد تركي بن ماجد بن مرعيد - رحمه الله - حاضرة في الذاكرة العائلية زمناً طويلاً، وتناقلتها الأسرة باعتبارها جزءاً من ذاكرتها. ومع البحث والتأمل أدركت تدريجياً أنها تتجاوز حدود العائلة؛ فهذا الرجل عاش قرابة قرن، وعاصر مرحلة شديدة الاضطراب والتحول من تاريخ نجد، وشهد سقوط الدولة السعودية الثانية وقيام الدولة السعودية الثالثة، وكان اثنان من أبنائه ضمن الرجال الذين شاركوا في استعادة الرياض مع الملك عبدالعزيز - رحمه الله -.
كلما تعمقت في هذه السيرة، وجدت أنني أمام أكثر من حكاية رجل أو عائلة؛ كنت أمام حكاية جيل كامل عاش سقوط دولة، وانتظر عودتها، وشهد سنوات التحول والقلق، ثم أسهم بعض أبنائه في قيامها من جديد. هذه المسافة الطويلة من الزمن، وما رافقها من تحولات ومواقف ومصائر، جعلتني أرى في السيرة إمكاناً روائياً يتجاوز حدود التوثيق العائلي.
ومن هذا الشعور ولدت «ظلّ الرمال»، ومن الأسئلة التي تثيرها المناطق التي لا تصل إليها الوثيقة عادة: كيف عاش هؤلاء الناس؟ ماذا كانوا يشعرون وهم يرون عالمهم يتغير؟ وكيف كان وقع الأحداث الكبرى على حياتهم اليومية وأسرهم؟ وما الذي يجعل الإنسان يتمسك بموقفه حين تكون النتائج مجهولة والثمن باهظاً؟ الرواية أتاحت لي الاقتراب من تلك الأسئلة، ومحاولة استعادة الجانب الإنساني الكامن خلف الوقائع.
س - تجمع الرواية بين الوقائع التاريخية والذاكرة الشفوية والتفاصيل الإنسانية؛ كيف وازنتم بين دقة المؤرخ وحرية الروائي في بناء الشخصيات والمشاهد؟
ج - كان ذلك من أصعب تحديات العمل؛ لأن المؤرخ في داخلي كان يطالبني بالدقة والوفاء لما أعرفه من وقائع، بينما كان الروائي يبحث عن الإنسان خلف الحدث، وعن التفاصيل التي تمنح الشخصيات حياتها وتجعل القارئ قريباً منها.
لذلك وضعت قاعدة التزمت بها طوال الكتابة: لا أغيّر حقيقة تاريخية من أجل الرواية، ولا أحوّل الرواية إلى كتاب تاريخ من أجل الحقيقة. كان عليّ أن أحافظ على هذه المسافة الدقيقة، بحيث تبقى الوقائع والشخصيات والأحداث التاريخية ضمن إطارها المعروف، وفي الوقت نفسه تظل الرواية قادرة على بناء عالمها الإنساني والسردي.
التزمت بما هو معروف من أحداث، وتركت للخيال أن يتحرك في المساحات التي لم تصل إليها الوثيقة؛ في الحوار والخوف والانتظار والعلاقات الإنسانية، وفي ما يمكن أن يدور في نفس الإنسان وهو يواجه المجهول. فالوثيقة تستطيع أن تحدد لنا واقعة أو تاريخاً أو اسماً، لكنها لا تستطيع دائماً أن تخبرنا بما شعر به الإنسان في تلك اللحظة، أو بما دار بين أفراد أسرته، أو كيف أمضى ليلة سبقت قراراً مصيرياً.
التاريخ يخبرنا غالباً ماذا حدث، أما الرواية فتحاول أن تجعلنا نشعر كيف كان ذلك الحدث يُعاش. وكان هدفي أن يظل هذا الشعور منسجماً مع روح المرحلة والوقائع المعروفة، من دون أن يتقدم الخيال على الحقيقة التاريخية أو يقيّد التاريخ حركة الرواية.

س - تحضر استعادة الرياض عام 1319هـ منعطفًا أساسيًا في الرواية؛ ماذا أردتم أن تضيفوا أدبيًا إلى الصورة المعروفة عن تلك المرحلة؟
ج - استعادة الرياض واحدة من أعظم الملاحم في تاريخنا الوطني، وقد تناولتها سابقاً من منظور تاريخي وعسكري، واهتممت بالحدث وما ارتبط به من ظروف وقرارات. وفي «ظلّ الرمال» أتيحت لي فرصة النظر إليها من زاوية أخرى؛ زاوية الإنسان الذي كان يعيش اللحظة من داخلها، قبل أن تتحول إلى حدث نعرف نتائجه ونقرأه في كتب التاريخ.
نحن نعرف اليوم نتيجة تلك الملحمة وما ترتب عليها، فيما الرجال الذين ساروا مع الملك عبدالعزيز نحو الرياض لم يكونوا يعرفون النتيجة. كانوا أمام احتمالات مفتوحة، وكان الفشل يعني ثمناً قاسياً، ولذلك تختلف رؤية الحدث حين نحاول أن نراه بأعين الذين عاشوه، لا بأعين من يعرفون ما انتهى إليه بعد أكثر من قرن.
وهذا ما أردت الاقتراب منه روائياً: لحظة القرار قبل أن نعرف نهايتها، والإنسان قبل أن يصبح اسمه جزءاً من التاريخ. أردت الاقتراب من القلق الذي يسبق الفعل، ومن معنى أن يمضي الإنسان نحو خيار لا يملك ضماناً لنتيجته، معتمداً على إيمانه بموقفه وثقته بمن معه.
أردت أن يرى القارئ التاريخ قبل أن يصبح تاريخاً؛ عندما كان موقفاً ومخاطرةً وإيماناً بالمستقبل، وحين كان الذين صنعوه بشراً يواجهون الخوف والاحتمالات نفسها التي يواجهها الإنسان أمام القرارات الكبرى.
س - تمنح «ظلّ الرمال» مساحة للنساء والعائلات والانتظار والفقد؛ لماذا حرصتم على إبراز الجانب الإنساني إلى جانب التاريخ السياسي والعسكري؟
ج - لأن التاريخ لا يُصنع في ميادين القتال وحدها. فحين ننظر إلى حدث عسكري أو سياسي كبير، قد تتجه الأنظار بصورة طبيعية إلى الرجال الموجودين في مقدمة المشهد، بينما تبقى خلفهم حياة كاملة تتحمل نتائج ما يجري.
خلف كل رجل خرج إلى المواجهة كانت هناك أم أو زوجة أو أبناء ينتظرون، وكانت هناك بيوت تتحمل الخوف والغياب وربما الفقد. والمرأة النجدية في تلك المرحلة لم تكن متفرّجة على التاريخ؛ كانت شريكة في الصبر والثبات وحفظ الأسرة والذاكرة، وكانت تتحمل جانباً كبيراً من تبعات الغياب والقلق وما تفرضه الظروف الصعبة على الحياة اليومية.
لهذا أردت أن يسمع القارئ أصوات الذين لم يكونوا دائماً في مقدمة المشهد، مع أنهم كانوا جزءاً من صناعته. فالحدث لا ينتهي عند الرجال الذين يخرجون إليه، وإنما يمتد أثره إلى البيوت والعائلات ومن ينتظرون عودة الغائب ولا يعرفون متى يعود أو إن كان سيعود.
فليست كل البطولات صهيل خيل وصليل سيوف؛ بعض البطولات كانت صبراً صامتاً خلف أبواب البيوت، وقدرة على حماية الأسرة وحفظ تماسكها والتمسك بالأمل في أزمنة كان الخوف وعدم اليقين جزءاً من تفاصيلها.
س - انشغلتم طويلاً بالتاريخ السعودي وأصدرتم عدة مؤلفات فيه؛ ما الذي دفعكم هذه المرة إلى الانتقال من البحث والتأريخ إلى الرواية؟
ج - في الحقيقة لم أشعر أنني غادرت التاريخ إلى الرواية؛ دخلت التاريخ من باب آخر، ورأيت أن الرواية يمكن أن تتيح لي الاقتراب من جوانب ظلت خارج طبيعة الكتابة التاريخية التي مارستها سنوات طويلة.
في كتبي السابقة كنت أبحث عن الوثيقة وأحلل الحدث وأقرأ أبعاده العسكرية والسياسية، وأحاول الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الدقة، وبقيت أسئلة لا تجيب عنها الوثائق: ماذا كان يشعر الرجل وهو يودع أسرته ولا يعرف إن كان سيعود؟ ماذا كان يدور في البيوت ساعة الرحيل؟ وكيف عاش الناس الخوف والأمل في زمن كانت فيه التحولات متسارعة والنهايات غير معروفة؟
الرواية منحتني مساحة للاقتراب من هذه المنطقة الإنسانية، ومنحت الشخصيات فرصة لأن تظهر في حياتها اليومية ومخاوفها وعلاقاتها، بعيداً عن اختزالها في دور تاريخي أو عسكري محدد. فالإنسان الذي تذكره الوثيقة في واقعة ما كانت له حياة كاملة قبل تلك الواقعة وبعدها.
في الكتاب التاريخي كنت أريد من القارئ أن يعرف ما حدث، أما في «ظلّ الرمال» فأردته، قدر الإمكان، أن يعيش ما حدث، وأن يشعر بأن الذين يقرأ عنهم كانوا أناساً عاشوا خيارات صعبة وواجهوا زمناً لم يكونوا يعرفون إلى أين سيقودهم.
س - أمضيتم خمسة وثلاثين عامًا في الحرس الوطني، ولديكم خبرة في القيادة والتخطيط والعمل العسكري؛ كيف انعكست هذه التجربة على كتابة «ظلّ الرمال»؟
ج - العمل العسكري يغيّر نظرتك إلى الخطر والقرار والرجال. خمسة وثلاثون عاماً علمتني أن خلف كل قرار في اللحظات الحرجة حسابات ومخاوف ومسؤوليات قد لا يراها من ينظر إلى الحدث بعد انتهائه، لأن معرفة النتيجة تجعلنا أحياناً ننسى حجم الاحتمالات التي كانت قائمة في لحظة اتخاذ القرار.
لذلك عندما كتبت مشاهد المواجهة لم أنظر إلى السلاح والخطة وحدهما؛ حاولت أن أرى الرجل نفسه: خوفه، وثقته برفاقه، وتقديره للموقف، وقدرته على اتخاذ القرار حين تضيق الخيارات، وإدراكه لما يمكن أن يترتب على قراره بالنسبة إليه وإلى الآخرين.
التجربة العسكرية جعلتني أكثر انتباهاً أيضاً إلى العلاقة بين الرجال في الظروف الصعبة، وإلى معنى الثقة والمسؤولية والانضباط حين يكون الخطأ مكلفاً. وربما لهذا حضرت في الرواية قيم عشتها وعرفتها في الحياة العسكرية: الولاء، والصبر، والوفاء، والشجاعة، وتحمل المسؤولية.
لقد تعلمت من العسكرية أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف؛ إنها معرفة الخطر وأداء الواجب رغم ذلك. وهذا المعنى كان حاضراً في نظرتي إلى رجال عاشوا لحظات كانت المخاطر فيها حقيقية والنتائج مفتوحة على احتمالات كثيرة.
س - يحضر الاهتمام بالذاكرة الوطنية في مجمل أعمالكم؛ ماذا يعني لكم توثيق سير الرجال والنساء الذين قد تغيب أدوارهم عن المدونات التاريخية الكبرى؟
ج - أؤمن بأن الأوطان لا يصنعها المشاهير وحدهم. خلف الأحداث الكبرى رجال ونساء ربما لم تُلتقط لهم صورة، ولم تُكتب عنهم صفحات طويلة، لكنهم كانوا هناك عندما احتاج الوطن إلى موقف، وتحملوا نصيبهم من المسؤولية أو الخوف أو التضحية.
وهؤلاء جزء من ذاكرتنا الوطنية، وإنصافهم لا يعني صناعة أمجاد لهم أو منحهم أدواراً لم يقوموا بها، وإنما إعادة ما يستحق التذكر إلى مكانه الطبيعي في التاريخ. فالذاكرة الوطنية تصبح أكثر اكتمالاً حين تتسع لمن كانوا في قلب الأحداث، حتى إذا لم تحفظ المدونات أسماءهم بالقدر نفسه الذي حفظت به أسماء الشخصيات الكبرى.
لقد ترسخت لدي قناعة مع سنوات البحث بأن الإنسان موقف؛ فقد يرحل صاحبه، ويبقى موقف واحد شاهداً عليه بعد عشرات السنين. وقد يكون هذا الموقف هو ما يمنح سيرته معناها، ويجعل العودة إليها بعد أجيال أمراً يستحق البحث والتأمل.
ومهمة الكاتب، في تقديري، لا تقوم على صناعة الأبطال، وإنما على البحث عن أفعالهم ومواقفهم، وتوثيقها بإنصاف، ووضعها في سياقها الذي حدثت فيه، ثم ترك الحكم للتاريخ والقارئ.
س - بعد تجربة «ظلّ الرمال»، هل يمكن أن تصبح الرواية مسارًا جديدًا في مشروعكم إلى جانب الكتابة التاريخية والعسكرية؟ وما المرحلة التي تتطلعون إلى الكتابة عنها مستقبلًا؟
ج - نعم، فتحت لي «ظلّ الرمال» نافذة جديدة، وأعتقد أن الرواية يمكن أن تصبح مساراً موازياً للكتابة التاريخية والعسكرية، إلى جانبها وفي امتداد لها. لكل نوع من الكتابة طريقته في الاقتراب من الماضي، وما وجدته في هذه التجربة أن بعض الحكايات تستطيع أن تكشف وجهاً آخر من التاريخ حين تُروى من داخل التجربة الإنسانية.
والتاريخ السعودي غني جداً بالشخصيات والتحولات والقصص الإنسانية التي تستحق أن تصل إلى القارئ بأساليب مختلفة، ولا أبحث عن حقبة تاريخية بهدف تحويلها إلى رواية؛ ما يستوقفني أولاً هو الإنسان الذي يستحق أن تُروى حكايته، والموقف الذي يستحق أن يبقى في الذاكرة. وحين أجد شخصية تحمل في تجربتها ما يفتح أسئلة إنسانية وتاريخية معاً، يصبح التفكير في الرواية ممكناً.
هناك مراحل وشخصيات أفكر فيها، وأفضل أن أتركها حتى تنضج فكرتها وتجد صوتها الخاص؛ لأنني أعتقد أن لكل تجربة تاريخية طريقتها المناسبة في السرد، وأريد لكل عمل روائي جديد أن يمتلك شخصيته وصوته، بعيداً عن تكرار تجربة «ظلّ الرمال» أو إعادة صيغتها مع شخصيات مختلفة.
وبعد «ظلّ الرمال» أصبحت أكثر يقيناً بأن بعض صفحات التاريخ تحتاج إلى المؤرخ كي يوثقها، وبعضها تحتاج إلى الروائي كي يعيد إليها نبضها، وربما يكون أجمل ما يمكن أن يحدث حين يلتقي الطريقان من دون أن يفقد أي منهما طبيعته.
0 تعليقات