أصدرت الكاتبة التونسية حفيظة قارة بيبان مؤخرا روايتها الجديدة التي تحمل عنوان"أنا والقاتلة وظلالنا"، لتضيف إلى مسيرتها الأدبية الحافلة تجربة جديدة تعكس التزامها العميق بالقضايا الإنسانية.

منذ نعومة أظافرها، وجدت قارة بيبان نفسها عاشقة للقراءة والكتابة، تكتب مذكراتها وخواطرها في كراسات مدرسية، قبل أن تتحول إلى قصص قصيرة ونصوص روائية تتلمس جوهر الإنسان وعلاقاته في مجتمع مزري حيث تختفي القيم الإنسانية أو تُداس بوحشية.

بدأت قارة بيبان، المعروفة بلقب "بنت البحر"، والتي وُلدت في مدينة بنزرت الساحلية عام 1951، مشوارها الأدبي بنشر أول قصصها في مجلة المعهد وجريدة الصباح، ثم في أهم المجلات التونسية مثل مجلة الفكر ومجلة قصص، ليكون كتابها الأول "الطفلة انتحرت" (1984) نقطة الانطلاق لرواية طويلة، وامتدت المسيرة لتشمل أعمالا مثل "دروب الفرار" (2003)، الفائزة بجائزة كومار وجائزة الكريديف (مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة)، ويوميات "النجمة والكوكوت" التي تعتبر محطة فريدة تجمع بين الحرف والفن المعاصر، وتدرّس اليوم في الجامعات التونسية.

يمزج أسلوب حفيظة قارة بيبان بين اللغة الشعرية والتكثيف السردي، مما يجعل قصصها قابلة للتأويلات المتعددة، وتفتح المجال أمام القارئ للتفاعل مع النص على مستويات نفسية وفكرية. وتجمع رواياتها بين الواقع والخيال، الفرد والجماعة، والتجربة الإنسانية والفن الراقي، لتكون شاهدة على معاناة الإنسان وقيمه، وتؤكد على قدرة الأدب على تقديم القضايا الإنسانية بطريقة أعمق وأكثر إنسانية من أي تقرير أو خبر سياسي.

في حوارها، تؤكد قارة بيبان أن الكتابة ليست مجرد فن، بل موقف ومسؤولية تجاه الإنسان والعدالة، مستندة إلى رؤيتها الأدبية التي تتشكل عبر قراءاتها وتجاربها وملاحظاتها للحياة:

"أنا أكتب باحثة عن القيم الأصيلة في عالم متدهور، أطمح إلى كتابة صادقة تصل إلى أعماق الإنسان، لكنها تأتي دائما مع جماليات الفن التي تمنح المتعة والأمل لحياة إنسانية أجمل."

* متى بدأت حفيظة قارة بيبان الكتابة؟ وما الذي دفعك إلى اختيار الرواية تحديدا كوسيلة للتعبير؟

منذ وعيت، وجدتني عاشقة للقراءة والكتابة، توّاقة إلى كسر طوق الواقع والرحيل إلى عوالم الخيال، حتى أن كل حلم طفولتي هو أن أكون أديبة، أخلق شخصيات وحكايات ترفعني عن واقعي في مدينتي المحافظة وتسافر بي إلى عوالم وأرحب وأجمل.

 أذكر كراساتي المدرسية، كثيرا ما كانت تتحول أوراقها الأخيرة إلى مذكرات. كنت أكتب مذكراتي وأخفيها عن العيون. تحولت كتابة المذكرات والخواطر إلى قصص. وكان نشر أول قصة لي بمجلة المعهد ثم في جريدة الصباح قبل أن يكون نشري في أهم المجلات التونسية وقتها، مجلة الفكر ثم مجلة قصص. وكانت باكورة أعمالي، كتاب "الطفلة انتحرت" نشر الدار العربية سنة 1984.

بعد مجموعتي القصصية الثانية "في ظلمة النور"، ضاقت بي القصة وما عادت تكفيني للتّعبير عن عالم تتشابك همومه وقضاياه. وقد أصبح التّوق أكبر وأشدّ إلى "تلمّس الجوهري، ليس للكائن فحسب، بل أيضا للعلاقات بين الكائنات في هذا المجتمع المزري حيث نتخبّط وحيث القيم الإنسانية، إما تختفي أو يداس عليها بوحشيّة أكبر، يوما بعد يوم"، كما يقول الروائي الكبير ساراماغو. كذلك الرواية تتيح حرية أكبر وتمنحني متعة الخلق القصوى، إذ تلتقي فيها مختلف الأجناس والفنون التي عشقت من الصبا.

هكذا، أمام التطرف الديني والقمع السياسي في تونس الثمانينات، وجدتني أكتب روايتي الأولى "دروب الفرار"الصادرة في طبعتها الأولى سنة 2003 والفائزة بجائزة كومار وجائزة الكريديف.

* ما هي أبرز التحوّلات أو المحطات التي أثّرت في مسيرتك الروائية؟ 

يوم نشرت يوميات "النجمة والكوكوت: يوميات كاتبة وفنان- تونس ديسمبر 2010- ديسمبر2013"، لم أكن أتصور أن تلك اليوميات مع أخي الفنان التشكيلي المهاجر العائد إلى تونس مع الثورة، ستكون إحدى المحطات الهامة في مسيرتي الأدبية.

فيما مضى، لم أكن أفكر مطلقا في نشر يومياتي، ولكن اللحظة التاريخية المفصلية في تونس، جعلت تجربتي تلتقي مع تجربة حليم، وإذا لغة الحرف تلتقي بلغة التشكيل والفن المعاصر، حول كوكوت (طنجرة ضغط) طارت من مكتبي، أخذها حليم، لتصبح رمزا لثورة لم تكتمل، وإذا نحن نكتب يومياتنا، يوميات البلاد، أنا أكتب يومياتي وأتابع أخبار الكوكوت وحليم ينشر – بطريقته الساخرة-   على الفايسبوك -مشاهد جديدة للكوكوت. التي أصبحت محملا فنيا يجوب العالم.

فكرة الكتاب كانت بتشجيع من ابنتي العارفة بأسرارنا، لتكون يومياتنا باللغة والتشكيل، التي جمعتنا فيها نجمة وكوكوت، لا يومياتنا الخاصة فقط بل بعضا من يوميات الوطن. هذه التجربة الفريدة التي التقى فيها الحرف بالصورة والفن المعاصر، لفتت إليها الأنظار واعتبرت حدثا أدبيا وأصبح الكتاب يدرس في الجامعة التونسية لطلبة الماستار في الأدب المعاصر. كما صدرت عنه عديد الدراسات الهامة، أذكر منها دراسة الدكتورة جليلة طريطر في كتابها الفائز بجائزة الشيخ زايد "مرائي النساء".

*هل هناك لحظات شك أو انقطاع عن الكتابة؟

الكتابة ديني ويقيني. الانقطاع عن الكتابة هو الموت بالنسبة لي، حتى وإن كانت فقط للذات المتعبة، دون أن تسافر إلى القارئ. الكتابة هي الملجأ دوما والنور الذي يضيء العتمة ويرفعنا من خلال المخيال أو الجنون بعيدا عن خراب المدن وحرائق الأرض، لنبدع عالما آخر أرحم بالإنسان من خلال جماليات الكتابة.

*من هم الكُتّاب أو المفكرون الذين تركوا أثراواضحا في أسلوبك أو في رؤيتك الأدبية؟

كتاب كثيرون أحببتهم وأثرو ا في بشكل أو بآخر، أذكر مثلا دستوفسكيوفولكنر والأديب التونسي محمود المسعدي والكاتب المصري البصير طه حسين والروائية غادة السمان وكتّاب المهجر جبران ونعيمة، وغيرهم. وأذكر بمحبة الشاعر الجاهلي طرفة ابن العبد والمتنبي وابن زيدون، والشاعر السوريالي رامبو وشاعر الحكمة الهندي طاغور.

ولكن يظل أسلوبي ورؤيتي الأدبية، نتاج عوامل عديدة متداخلة، لعل من أهمها شخصيتي وتجربتي، أحلامي ورؤاي. كلها تتداخل وتتفاعل مع قراءاتي ومع من صحبني في مختلف مراحل العمر من الكتاب والشعراء القدامى والمحدثين.

*الدكتورة جليلة الطريطر تُعرف أعمالك بعمقها الإنساني والسياسي، فهل تكتبين بدافع فنيّ محض أم أن الالتزام بقضايا الإنسان جزء لا ينفصل عن تجربتك الأدبية؟

الكتابة موقف ومسؤولية قبل كل شيء. منذ وعيت، كان إحساسي الحاد بالظلم كبيرا.  معاناتي من ظلم الإنسان للإنسان، وتوقي الجارف إلى الجمال، هو دافعي للكتابة الأدبية.  أومن بشدة بقولة قولدمان "القصة هي البحث عن القيم الأصيلة في عالم متدهور".

أناأكتب باحثة عن هذه القيم، طامحة إلى كتابة صادقة متوهجة تصل إلى أعماق الإنسان في كل مكان، ولكن بجماليات الكتابة وعذوبة الفن الذي يخفف من ظلمة الواقع ويمنحنا المتعة والقدرة لأجل حياة إنسانية أجمل. 


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم