فيلا ملاك الموت رواية قصيرة تقوم على مكان واحد شبه مغلق، وهو عبارة عن مستوصف مهمل في أطراف مدينة الحديدة، تحوّل عمليًا إلى محطة انتظار للموت أو مزبلة للأجساد التي لا يسأل عنها أحد. المكان يُعرف بين الناس بـ«فيلا الموتى»، حيث يُنقل العجزة، الفقراء، وضحايا الحرب ليُتركوا بلا علاج حقيقي، بلا أسماء، وبلا متابعة طبية، في نظام إداري فاسد لا يرى فيهم سوى أرقام.

تدور الرواية حول الممرضة موستيكو التي نُقلت قسرًا إلى هذا المكان بعد اتهام إداري كيدي، فتجد نفسها محاصَرة بعالم قاسٍ، حيث: تتكدّس الجثث، وحيث لا الماء ولا الدواء، وسلطة تمارس العنف بالصمت والإهمال. تشاركها العمل ممرضتان، أبرزهن أم بكش، امرأة فقدت ابنها في الحرب لكنها ترفض الاعتراف بموته، وتعيش على وهم حضوره اليومي، متشبثة بالحكاية كوسيلة للبقاء.

الرواية تبني على تراكمات أحداث صغيرة مستمرة، مثل: تكرار الموت، نباح كلب غامض يُنذر بالرحيل، وصول حالات جديدة، غياب الأطباء، وانتظار سيارة تنقل الجثث. وسط هذا الخراب، تحاول موستيكو منح المرضى شيئًا من الكرامة، تبتكر لعبة تسميهم، تخاطبهم، تكتب عنهم في دفتر سري، وهنا كأن اللغة هي آخر ما تبقى في مواجهة الفناء.

يدخل إلى هذا العالم شخصيات هامشية أخرى، منها تشيخوف، شاب مثقف مسحوق بالحرب، يمثل احتمالًا رقيقًا للحب والمعنى. لكن الرواية لا تمنح خلاصًا لأحد، بل تطرح سؤالًا أخلاقيًا قاسيًا: كيف يصبح الموت نظامًا إداريًا؟ وكيف تتحول الحرب إلى روتين يومي يُدار ببرود؟

«فيلا ملاك الموت» نص عن الإنسان حين يُختزل إلى جسد ينتظر النهاية بالدفن، وعن الكتابة في زمن الحرب والخوف، بوصفها محاولة مرتجفة لمقاومة أخيرة للصمت.

صدرت الرواية في 2025 عن دار متون المثقف للنشر والتوزيع بالقاهرة وتتكون من ستة فصول 82 صفحة حجم متوسط ـ تتوفر ورقيًا.

الفصل الأول

الكلب ينبح كعادته كل ليلة

كتبت (موستيكو) بخطها الجميل أن الكلب ينبح كعادته كل ليلة، يواصل نباحه وهو ينظر إلى البوابة الحديدية الصدئة لهذا المكان. أصبح الكل يسميها "فيلا ملاك الموت" أو "فيلا الموتى". دأبت (موستيكو) على تدوين بعض ما يحدث هنا منذ وصولها إلى هذا المكان قبل ستة أشهر. لم ترتكب خطأً عندما تم تحويلها إلى مجلس تأديبي، وكان المدير المالي هو رئيس هذا المجلس. جلس بجانبه أحد أطباء المستشفى، والذي ظل يعبث بهاتفه خلال الجلسة، ونطق المدير المالي بحكمه على الممرضة (مستيكة)، لكن الكل يناديها (موستيكو). فرض عليها الخدمة في مستوصف الرحمة. نعم، إنه الاسم الرسمي لفيلا الموتى، المنسية من الجميع إلا ملاك الموت، فهو يزورها مرة إلى ثلاث مرات كل يوم وليلة.

لم تعد (موستيكو) تكتب الشكاوى لتعود إلى عملها بالمستشفى الكبير، ولم تقدر أن تكتب أن المدير المالي تحرش بها، ولأنها مانعت ورفضت رغباته، اتهمها بإهدار مستلزمات طبية وتهمة الإهمال. هو الخصم والحكم، وهو من ذوي السلطة. أغلب مستشفيات اليمن، وخاصة في محافظة الحديدة، لا تختلف كثيرًا عن فيلا الموت أو الموتى.

القليل جدًا من الأطباء لا يزالون يتمسكون بإنسانيتهم ويتحملون ظلم وفساد الكادر الإداري. في أغلب المؤسسات العامة تكون السلطة القوية للمدير المالي. الكثير من الذين يتولون هذا المنصب ليس لديهم شهادات ولا كفاءة. بعضهم يشتري المنصب "من فوق"، أو يكون من عائلة شخص "من فوق". يكتفي الناس بالقول "من فوق" ولا يذكرون الأسماء.

تردد (موستيكو) وتهمس لنفسها بعبارة "من فوق" ثم تعيدها، وبعد ذلك تكتب. هذا الدفتر بحجم 200 صفحة يكاد يمتلئ بالخواطر، وقد تتعرض إلى متاعب كثيرة لو عثر عليه أحدهم،

تضحك، كأنها تسخر من هواجسها.

تردد بصوت خافت: "منذ شهر لم يأتِ أي طبيب، يكتفون بالاتصال للسؤال عن عدد الوفيات، ثم يرسلون سيارة بعد يوم أو يومين لأخذ الجثة".

تكتب: "لا يوجد فرق بين الأحياء والموتى هنا".

سبع غرف موزعة على الطابقين الأول والثاني، تسعة وتسعون سريرًا شبه متلاصقة. الدور الأرضي يحوي غرفة الممرضات والإدارة، مصلى، غرفة انتظار الزوار، المطبخ، مخزن الأدوية، مخزن الشراشف وأدوات التنظيف، لكنها كلها فارغة. حتى الصابون والمعقمات نفدت، وقيل لهم: "اكتفوا بالماء، فهو طاهر مطهر".

تعمل ثلاث ممرضات في هذا المكان الموحش: موستيكو، شعبانة، وأم بكش، وعاملة نظافة بدينة جدًا يسمونها كعبابة.

تتركز الإدارة بيد امرأة في الخمسينيات، نحيفة وقصيرة، يسمونها خضرة لأنها تتناول القات وتدخن بشراهة.

غرفة الإدارة لها باب آخر يطل على حديقة يابسة، وهي تلتصق بالمصلى، والذي أصبحت تستغله المديرة لأغراض مشبوهة. لم يعد أحد يستخدم المصلى، فالمقيمون هنا يأتون شبه موتى أو في حالة احتضار. أغلبهم من العجزة الميؤوس منهم، والذين لا يسأل عنهم أهلهم من الفقراء والمهمشين.

تجهد (موستيكو) نفسها في رعاية هؤلاء الذين يودعون الحياة. يأتون صامتين، ويظلون في صمت إلى ساعة الرحيل.

في الكثير من المرات، أحست من حركة أعينهم الشاخصة بالسقف بدعواتهم لها بالستر والرزق والسعادة ونظرات الشكر. مضت ستة أشهر ولم تُستجب أي دعوة. تزيد أوضاعها سوءًا، انقطع راتبها منذ ثلاثة أشهر؛ لذلك اضطرت أن تظل وتنام بغرفة الممرضات الصغيرة.

نادرًا ما تدخل المديرة وتتجول للحظات في الطابق الأرضي، ثم تعود إلى غرفتها أو إلى المصلى.

مكان يأكله الصمت، وحدها أم بكش من تتحدث إلى (موستيكو)، وفي كل مرة تقول لها: "أنتِ شابة جميلة، سأخطبك لابني (بكش)، فهو طالب، الله بعد حاله، واشترى دراجة يوصل الناس والأغراض، ويوصلني كل يوم إلى هنا ويرجع يأخذني إلى البيت. ولد مطيع وربنا فاتح عليه، أحسن من الذين درسوا وأخذوا شهادات وما يلقوا عمل، يرجعون يشتروا موترات ويوصلوا الناس، هذا حالنا يا بنتي، اليمن السعيد".

كانت (موستيكو) تصدق كل ما تقوله هذه المرأة عن ابنها (بكش).

قبل أيام فقط، أخبرتها عاملة النظافة أن (بكش) مات في إحدى الغارات على مدينة الحديدة، والأكثر ألمًا أن جسده تبعثر، والتقطوا بعض الأجزاء من لحمه الذي لم يتفحم، بملعقة صغيرة. لكن أمه تعيش وهمًا وتخترع عنه كل يوم حكايات جديدة. يجاريها الجميع، فهي الأكثر لطفًا ومرحًا، تُطلق الفكاهات وتجعل في المكان بعض الصوت.

كل شيء هنا مربك، لا تعلم (موستيكو) كيف تتعامل مع أم بكش. تبتسم وتضحك أحيانًا وترد ممازحة: "يا خالة، أنا مهري غالي".

ترد المرأة: "اطلبي من مليون إلى عشرة، من أجل (بكش) راح أبيع ذهب زواجتي من أبوه. أبوه كان أشجع صياد في الحديدة كلها، يعرف البحر شبر شبر، ولكن البحر غدر بوه. أبوه البحر، ومن يصدق البحر أيام أمزيب! قتلته شجاعته. كان راجع من صيده وشاف سمبوق أصحابه يغرق وسقط منهم واحد. نزل البحر والموج هاج، أنقذ صاحبه، لكن الموج شاله وباك به. سلمنا أمرنا لله. منعت (بكش) من البحر رغم أن دم أبوه وحب البحر يسري في عروقه، وخايفة يوم يأتي ويشتري سمبوق وينزل البحر. أنا أشتي أزوجه واحدة مثلك تخليه يحب الساحل مش البحر.

تسرع (موستيكو) تحتضن المرأة، وهي تشعر بألمها ومكابرتها. يتلون صوت أم بكش من المرح والسعادة إلى الألم التراجيدي، وخاصة عندما تنطق عبارة: "والله سأجعله يحب الحياة ويكره البحر".

ثم تبتسم (موستيكو) وتقول: "أنا بنتك وتحت أمرك. يا عمّه، أنا يتيمة. كنت عايشة مع عمتي، أخذت بيت أبي وكنت أسكن معها وتأخذ كل راتبي. من يوم ما قطعوا راتبي، طردتني وقالت لي: فارقينا، رحم الله من زار وخفف".."

تسارع أم بكش تقبلها وتقول: "ما أتصور واحد يرمي بلحمه، حتى الكلاب تحن على بعضها. الحرب هذه جعلت بعضنا أوحش من الكلاب. والله أرحب بك، بيتي بيتك. لكن بكش شاب، وأخاف على سمعتك. قريب يا حبيبتي أخطبك له ونزوجكم، وأنا أكمل حياتي مع الموتى هنا. مساكين، لا عارفين حياة ولا موت. وأخرجك من هنا. الخوف ليس منهم، هذول مساكين، الخوف من المجرمة مديرتنا قبحها الله. دنست المصلى وتأجره لقلة الحياء.

هنا تأتي (شعبانة) وهي متعبة، تسلِّم عليهما وتخلع حجابها وتقول: "نحن خانقين أنفسنا بالحجاب، وعاصبين على رأسنا، شعرنا تعفَّن. نحن قليلات عقل، من مين نتحجَّب؟ هذول أكثر من النِّص حريم مثلنا، والرِّجال صاروا عجزة، عظم بلا لحم".

تضحك أم بكش، وكأنها اكتشفت اكتشافًا جديدًا، تخلع غطاء الرأس ثم تعيد تغطية بعضه وهي تضحك: "ابني بكش حمقي وغيور مثل أبوه، خاف يأتي ويشوفني كاشفة، والله رغم أنه يحبني إلا إنه سيجرني من رجلي. صحيح، على مين نتحجَّب؟ المساكين حولنا لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة. اليوم سمعت الكلب ينبح ثلاث مرَّات، يعني ثلاثة سيتوكَّلون على الله. ربِّي معهم".

تعود (شعبانة)، وهي كثيرًا ما تتحدَّث عن زوجها. كأن أم بكش تنتظرها لتحكي. فعلًا، سرعان ما تقصُّ لهم آخر فعل لزوجها، تقول: "راجلي باين عليه رايح يجن. بدأ يرسم ويصمِّم سفينة كبيرة، يقول لي قريبًا الطُّوفان، ويحكي لي عن كوكب... ما أدري... يقول كويكب اسمه بينو، سيصدم الأرض وسيغرق نص الأرض. والله أنا خايفة واحد يبلِّغ عليه. الجماعة ما يرحموا، وقرصتهم والقبر! الله يعميهم عنه، لله يعقل. في السياسة ما عندهم مزاح، ولا يريدون أحدًا يفكِّر أو يدبِّر، وزوجي عامل نفسه فيلسوفًا ومفكِّرًا وكل يوم يقول: أنا ثقَّفت نفسي".

يسود الصمت المفجع عندما يحلُّ الليل، يصبح المكان كالقبر، يقطع نباح الكلب هذا الصمت، تظلُّ (موستيكو) متسمِّرة في مكانها لعدَّة دقائق، ثم تصعد إلى الغرف لتعرف من مات ومن بقي. لا توجد ملفات لهؤلاء، يتمُّ ترقيمهم من واحد إلى رقم تسعة وتسعين، في الصباح يتمُّ وضع الموتى بركن خاص إلى أن تأتي سيارة لنقلهم إلى المقبرة الخيريَّة التي لا تبعد كثيرًا عن هذه الفيلا.

سمعت (موستيكو) من (شعبانة) أن أرض المقبرة الخيريَّة فيها ملوحة مخيفة، والحرارة هناك كأنها جهنَّم، بحسب تعبير (شعبانة): "مسكين الفقير، يعيش محرومًا ويموت محرومًا، يدفنونه في مقبرة جهنَّم، وناس تسمِّيها مقبرة الجن، وآخرون يطلقون عليها مقبرة المناحيس، النحس وراء الفقير حياةً وموتًا".

كتبت (موستيكو) ذات مرة خاطرة بعنوان الفقراء لا يدخلون الجنَّة، ثم مزَّقت وأحرقت الورقة. كلَّما كتبت أكثر يزداد خوفها، سمعت ذات مرَّة عن امرأة، معلِّمة تمَّ إعدامها بسبب دفتر سرِّي صغير خاص، تكتب فيه خواطرها. وفي أحد الأيام، وهي تركب الحافلة للعودة إلى بيتها، وقع دفترها الصغير، التقطه رجل وبدأ يتصفَّحه، رفض أن يسلِّمه لها، وعندما قرأ أول صفحة صرخ بأعلى صوته: "كافرة زنديقة!" سرعان ما احتشد الناس وحضرت دوريَّة عسكريَّة، أخذوا المرأة ودفترها، وفي اليوم الثاني أعدموها بتهمة الزندقة وأحرقوا الدفتر.

تخيَّلت (موستيكو) الأحداث، ارتجف جسدها ببرودة صاعقة، أغلقت دفترها وأخفته بين ملابسها الداخليَّة.

أكملت جولتها، عادت إلى غرفتها، انطفأت الكهرباء، حاولت أن تنام، تقلبت ذات اليمين وذات اليسار، نهضت، وقفت أمام النافذة، فتحت فستانها من الأمام، كشفت عن صدرها كأنها تتخيَّل نفسها في مظاهرة من مظاهرات الفيمنست، إنها تحتجُّ ضدَّ هذا الظلام الدامس وضدَّ نباح الكلب الذي يبشِّر بالموت.

أخذت شهيقًا عميقًا ثمَّ نفثت الهواء في وجه العتمة، شعرت بالراحة، عادت إلى فراشها ونامت بصدر مكشوف..


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم