إيتالو كالفينو و«لو أن مسافراً في ليلة شتاء»: القارئ بطلاً
في منتصف سبعينيات القرن العشرين، كان إيتالو كالفينو يقيم في باريس ويعمل قريباً من جماعة «أوليبو» التي اهتمّت بالبنى الرياضية والقيود الشكلية في الأدب. خلال تلك الفترة بدأ يفكر في سؤال بسيط من حيث الصياغة، عميق من حيث النتائج: ماذا لو كانت الرواية نفسها تدور حول فعل القراءة؟ ماذا لو صار القارئ شخصية رئيسية داخل النص؟ من هذا التأمل خرجت «لو أن مسافراً في ليلة شتاء» عام 1979، واحدة من أكثر رواياته تركيباً وتجريباً.
كالفينو كتب في مقالاته التي جمعها لاحقاً في كتاب «لماذا نقرأ الكلاسيكيات؟» وفي نصوصه التأملية الأخرى، أن الأدب مساحة لعب منظم، وأن الرواية يمكن أن تكون شبكة احتمالات، لا خطاً واحداً متصلاً. هذا التصور يظهر بوضوح في بنية «لو أن مسافراً في ليلة شتاء»، حيث يتقدم النص عبر فصول تبدأ بعشرة روايات مختلفة، كل واحدة منها تتوقف فجأة، بينما يتابع القارئ ــ الذي يُخاطَب بصيغة المخاطب المفرد ــ بحثه عن بقية الحكاية.
الرواية تفتتح بجملة تخاطب القارئ مباشرة: أنت على وشك أن تبدأ قراءة رواية جديدة. هذا الخطاب يضع المتلقي في قلب التجربة منذ اللحظة الأولى. كالفينو يحرّك النص بين مستويات متعددة: مستوى القارئ الذي يحاول العثور على النسخة الصحيحة من الكتاب، ومستوى الحكايات المتقطعة التي تتنوع بين الجريمة والسياسة والعاطفة والمغامرة. هذا التشظي المتعمد يعكس رؤيته للرواية كفضاء مفتوح على إمكانات لا تنتهي.
في مقابلاته مع الصحافة الإيطالية والفرنسية أواخر السبعينيات، أوضح كالفينو أنه كان مهتماً بكشف آلية القراءة نفسها، لا بإنتاج حبكة تقليدية. الرواية هنا تتحول إلى تأمل في العلاقة بين النص والمتلقي، في التوقع والخيبة، في الرغبة في الاستمرار. كل بداية جديدة تحمل وعداً، وكل انقطاع يخلق فراغاً يدفع القارئ إلى البحث.
هذا البناء المتعدد يعكس تأثر كالفينو بفكرة المتاهة السردية، التي اشتغل عليها أيضاً في «المدن اللامرئية». غير أن «لو أن مسافراً في ليلة شتاء» تتقدم خطوة أبعد، إذ تجعل القارئ شخصية تتحرك داخل عالم النشر والترجمة والمؤامرات الأدبية. هناك ناشرون مزيفون، مخطوطات مختلطة، وأخطاء طباعية تتحول إلى جزء من الحدث. النص يحتفي بمتعة القراءة وفي الوقت نفسه يعرّي آليات صناعة الكتاب.
اللغة في الرواية تتغير مع كل حكاية. كالفينو يتبنى أسلوباً مختلفاً في كل بداية، كأنه يختبر قدرته على تقليد أنواع أدبية متعددة. هذا التنوع الأسلوبي يعكس رؤية تؤمن بأن الرواية ليست شكلاً واحداً، وإنما مجموعة أصوات متجاورة. القارئ يجد نفسه في كل مرة داخل عالم جديد، ثم يُسحب منه قبل أن يستقر.
عند صدورها عام 1979، لقيت الرواية اهتماماً واسعاً في الأوساط النقدية الأوروبية. النقاد في La Repubblica وLe Monde رأوا فيها عملاً يحتفي باللعب السردي ويطرح أسئلة حول معنى النص في عصر تتكاثر فيه وسائل النشر. لاحقاً اعتُبرت الرواية من أبرز نماذج ما بعد الحداثة في الأدب الأوروبي.
إيتالو كالفينو (1923–1985) كاتب إيطالي ارتبط اسمه بالتجريب والبنية الذكية واللغة الرشيقة. من أعماله «المدن اللامرئية»، «البارون في الأشجار»، و«لو أن مسافراً في ليلة شتاء». في محاضراته الشهيرة «ست وصايا للألفية القادمة»، التي ألقاها قبيل وفاته ونُشرت لاحقاً، دعا إلى خفة الحركة والدقة والتعدد في الكتابة، وهي مبادئ تتجسد بوضوح في هذه الرواية.
«لو أن مسافراً في ليلة شتاء» ليست حكاية تقليدية، وإنما رحلة في معنى القراءة ذاته. عبر مخاطبة القارئ مباشرة، ومن خلال بدايات تتكرر وتنقطع، قدّم كالفينو نصاً يضع فعل القراءة في مركز المشهد، ويحوّل الرواية إلى لعبة فكرية مفتوحة.
المصدر:
إيتالو كالفينو، «ست وصايا للألفية القادمة» (محاضرات نورتون، جامعة هارفارد).
مقابلات كالفينو مع الصحافة الإيطالية والفرنسية أواخر السبعينيات حول بنية الرواية واهتمامه بفعل القراءة.
تغطيات نقدية في La Repubblica وLe Monde عقب صدور الرواية عام 1979.
0 تعليقات