لندن - في حديثه عن «عدّاء الطائرة الورقية»، يعود خالد حسيني إلى صورة أولى: طفلان في كابول، يركضان خلف طائرة ورقية ترتفع في سماء صافية. هذه الصورة، كما ذكر في مقابلاته، كانت البداية، نقطة انطلاق حملت داخلها إمكانات سردية واسعة.

العمل لم يبدأ كرواية مكتملة في ذهنه. الفكرة ظهرت تدريجياً، عبر الكتابة، عبر التفاعل مع الشخصيات، عبر العودة إلى الذاكرة. حسيني يشير إلى أن الشخصيات بدأت تكشف عن نفسها مع تقدم النص، وأنه كان يكتشف مساراتها أثناء العمل. هذه الطريقة تمنح الرواية طابعاً حيّاً، حيث تتشكل الأحداث من الداخل.

الذاكرة تلعب دوراً أساسياً في هذا التشكّل. الكاتب عاش طفولته في أفغانستان، ثم انتقل إلى بيئة مختلفة. هذه المسافة تحولت إلى عنصر فاعل في الكتابة. كابول تظهر في الرواية عبر تفاصيل الحياة اليومية، عبر العلاقات، عبر المشاهد الصغيرة التي تحمل أثراً عاطفياً واضحاً.

في مقابلاته، يتحدث حسيني عن رغبته في تقديم صورة إنسانية عن بلده، صورة تنطلق من تجربة الأفراد، من حياتهم اليومية، من العلاقات التي تجمعهم. الرواية تتحرك في هذا الاتجاه، وتبتعد عن التعميم، وتقترب من التفاصيل.

الشخصية المركزية، أمير، تتشكل عبر شعور معقد بالذنب. حسيني يشير إلى أن هذا الشعور كان محور العمل، وأن السرد يتبع رحلة طويلة نحو فهمه. الماضي يظل حاضراً، يفرض نفسه على الحاضر، ويعيد تشكيله. هذا التداخل بين الأزمنة يمنح الرواية عمقاً إضافياً.

الكتابة، كما وصفها، كانت عملية اكتشاف مستمر. لم يعتمد على خطة مغلقة، بل ترك المجال للنص كي يتطور. الشخصيات تتحرك، تكشف عن دوافعها، وتدفع السرد في اتجاهات جديدة. هذا الأسلوب يخلق إحساساً بأن الرواية تنمو من داخلها.

هناك أيضاً حضور واضح لفكرة الانتماء. الشخصيات تعيش بين عالمين، بين ذاكرة وحاضر، وتحاول أن تجد موقعها. حسيني يربط هذا البعد بتجربته الشخصية، ويشير إلى أن الكتابة كانت وسيلة لفهم هذا التوتر.

اللغة في الرواية تتسم بالوضوح، مع احتفاظها بقدرة على نقل المشاعر بعمق. الكاتب اختار أسلوباً يتيح للقارئ الدخول بسهولة إلى النص، مع الحفاظ على كثافة التجربة. هذه اللغة تخدم السرد، وتمنحه انسيابية واضحة.

في أحاديثه، يوضح أن الرواية تحاول استكشاف إمكانية التغيير، إمكانية مواجهة الماضي، وإعادة النظر فيه. السرد يتحرك عبر هذه الفكرة، ويقدّم رحلة داخلية تتقاطع مع تحولات خارجية.

في النهاية، يصف حسيني تجربته مع «عدّاء الطائرة الورقية» كرحلة بدأت من صورة بسيطة، ثم اتسعت لتشمل عالماً كاملاً. هذه الرحلة تعكس طبيعة الكتابة نفسها، حيث يمكن لفكرة صغيرة أن تتحول إلى نص يحمل طبقات متعددة من المعنى، ويعكس تجربة إنسانية ممتدة.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم